ثم رأى محمد علي أخيرا أن ينشئ المدارس المختلفة لتعليم أبناء البلاد تعليما رتيبا منظما؛ فأنشأ مدارس الطب والهندسة والزراعة والحربية ومدرسة الألسن، ثم رأى أن لا بد من وجود مدارس أخرى لإعداد الملتحقين بهذه المدارس «الخصوصية»؛ ففتح مدارس «المبتديان»، والمدارس «التجهيزية».
بهذه الوسائل جميعا حاول محمد علي أن ينقل الغرب إلى مصر ليحقق مثله العليا في الإصلاح، ولكنه لم يحاول البتة أن ينقل مصر إلى الغرب بل احتفظ لها بروحها وتقاليدها، بل لقد حاول في كثير من الأحيان أن يمزج بين الخير في العالمين - الشرقي والغربي - فأقام النهضة المصرية الحديثة على أسس متينة صحيحة، ووجهها - منذ عصره حتى الآن - الوجهة الطيبة التي أفادت منها، والتي لا نزال نعمل للإفادة منها.
ختم محمد علي باشا.
استعان محمد علي - كما ذكرنا - بالأجانب أول الأمر، وهنا نتساءل: بأي الأجانب استعان؟ لما لذلك من أثر واضح سيصبغ ثقافة مصر بصبغة خاصة طوال القرن التاسع عشر.
كانت دول أوروبا صاحبة الصدارة في العصور الوسطى المتأخرة ومطلع العصر الحديث هي: إنجلترا وفرنسا، وجمهوريات إيطاليا.
أما إنجلترا فلم تفكر يوما - حتى أواخر القرن الثامن عشر - في أن تكون لها بمصر علاقة ما، وخاصة من الناحية السياسية، وذلك إذا استثنينا الدور الذي لعبه الملك «ريتشارد» (قلب الأسد) في الحروب الصليبية، وما كان بينه وبين سلطان مصر وقتذاك صلاح الدين الأيوبي وأخيه الملك العادل أبي بكر من علاقات
13
صداقة كانت توحي بها روح العصر والمثل العليا لنظام الفروسية السائد في تلك الأيام، وما كان يتمتع به كل من صلاح الدين، و«ريكاردوس» من صفات البطولة الصادقة.
وبانتهاء تلك الحملة الصليبية انقطعت العلاقات بين مصر وإنجلترا، حتى إذا كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر سمعنا عن مساع كثيرة يبذلها الإنجليز في مصر للعودة إلى استعمال الطريق البري القديم عبر مصر والبحر الأحمر للوصول إلى الهند؛
14
لما يمتاز به هذا الطريق من قصر وسرعة تتناسب ومبشرات الرغبة في هذه السرعة التي ستكون أهم مميزات القرن التاسع عشر وخاصة بعد الانقلاب الصناعي.
وأحست فرنسا في نفس الوقت أهمية مصر في هذه الناحية، وبدأت المنافسات التحتية مع مولد القرن التاسع عشر بين هاتين الدولتين لاحتلال مصر، وظهرت أروع صور هذه المنافسة في النضال الذي انتهى بإخراج الفرنسيين من مصر سنة 1801، وتلكأت الجنود الإنجليزية في مصر بعد خروج الفرنسيين حتى اضطرت إلى الجلاء بعد قليل، ثم عاودت محاولتها مرة أخرى سنة 1807 فمنيت هذه المحاولة بالفشل.
فهل نستطيع أن نقول: إن محمد علي يتجه في محاولاته للإصلاح إلى إنجلترا، أو أن يستعين بالإنجليز، ولم يكن في مصر منهم جاليات كبيرة!
فإذا تركنا إنجلترا إلى فرنسا لاحظنا أن محمد علي قد اشترك في المعارك التي انتهت بإخراجهم من مصر، وقد خلصت له مصر بعد عهدهم مباشرة، فهو يحس تماما ما تركوا في مصر من آثار، ولكن لعله كان لا يزال يتخوف منهم، ثم إن عدد الجالية الفرنسية في مصر قد نقص نقصا كبيرا بعد خروج الحملة، فلم يكن من الطبيعي أيضا أن يتجه محمد علي أول ما يتجه إلى فرنسا، وإن كان سيتجه إليها بعد قليل لعوامل أخرى.
انحرف محمد علي عن الاتجاه إلى هاتين الدولتين، والاستعانة برجالهما أول الأمر - رغم ما كان لهما من زعامة على دول الغرب وقتذاك - واتجه أول ما اتجه إلى إيطاليا والإيطاليين؛ ولذلك أسباب:
فقد ظلت العلاقات التجارية بين مصر وجمهوريات إيطاليا متينة وثيقة طول العصور الوسطى، وكان للإيطاليين حتى أوائل عهد محمد علي جاليات كثيرة في ثغور مصر والشام وموانيهما، كما كانت اللغة الإيطالية هي اللغة الأجنبية الأكثر شيوعا