مصر تدفع عن الشرق خطر التتار، تأخر الحالة العلمية في مصر، ناحية واحدة اهتم بها المصريون في تلك العصور وهي التأريخ لأنفسهم ولمصر، جهود التأليف الموسوعي في القرن التاسع الهجري (15م)، الركود والخمود في العصر العثماني، أسباب هذا الركود كما صورها الأستاذ شفيق غربال بك، وصف الرحالة الفرنسيين لحالة مصر العلمية في القرن 18، وصف الجبرتي لها، انقطاع الصلات بين مصر والغرب، الدول الأوروبية تبدأ التفكير في غزو الشرق وخاصة مصر. ***
كان الأوروبيون يفعلون هذا بينما كان الشرق قد اتخذ لنفسه، أو اتخذ له القدر أسلوبا آخر من الحياة يختلف كل الاختلاف عن هذا الأسلوب الذي اصطنعته أوروبا لنفسها أو اصطنعه القدر لها.
بذل الشرق - وكانت مصر حينذاك مركزه وضيعته الغنية وحصنه القوي - جهودا عنيفة لرد الصليبيين عن مصر، ولم يكد ينجح في مهمته حتى فاجأته غارات أشد قوة وتدميرا هي قوة التتار يغيرون عليه في موجات متلاحقة متدافعة، فصمد لها، ودافعها حتى دفعها ودفع شرها، وكان لمصر وحكامها من سلاطين المماليك كذلك الفضل كل الفضل في تدويخ هذه الجموع الهمجية حتى أحست بالدوار فولت وجهها وجهة أخرى ترضاها، بعد أن قبست قبسا جديدا من الإسلام هذبها وشذب من وحشيتها، فاستقرت في الهند وكونت هناك دولة
4
مغولية جنسا، إسلامية دينا، كان لها شأن عظيم في تاريخ تلك البلاد.
تلاشت هذه الموجات الصليبية والتترية بعد أن بذلت مصر وبذل سلاطينها الجهد كل الجهد، والمال كل المال، في القضاء على هذين الخطرين؛ لهذا لا نعجب إذا لاحظنا - بالمقارنة - أن عصر المماليك الثاني - وخاصة في أواخره - يقل قوة وجاها عن عصر المماليك الأول.
ولا عجب أيضا أن نجد الحركة العلمية في مصر تخمد وتضعف في هذه القرون، فلم يظهر فيها مفكرون جدد، ولا مدارس تفكيرية جديدة، وانتهت العناية بالعلوم في الأزهر والمساجد والمدارس التي ينشئها سلاطين المماليك إلى دراسات دينية أو لغوية أو تاريخية، وانتهى جهد العلماء في مصر إلى نظم قصيدة لمدح سلطان إذا انتصر، أو تأريخ حياته إذا مات، أو شرح، أو تفسير، أو تهميش، أو تعليق، أو اختصار لأمهات الكتب القديمة في الفقه والحديث وغيرهما من العلوم الدينية واللغوية.
غير أن هناك شيئا واحدا لم ينسه المصريون عصرا من العصور، ذلك هو شعورهم بأنفسهم وببلادهم مصر، ذلك الشعور كان له أثره الخطير في تاريخ مصر العلمي، فقد دفع المصريين دائما إلى تأريخ أنفسهم، وملوكهم، وقضاتهم، وعلمائهم، ومدنهم، ومعابدهم، ونيلهم، وأعيادهم ... إلخ ... إلخ، وكانت لنا من هذا الجهد المتصل سلسلة كتب الخطط وما يكملها من كتب التاريخ، تبدأ بكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم، وتنتهي بالخطط التوفيقية لعلي مبارك، وتقويم النيل لأمين سامي، وتاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي.
ولم يكد القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) يوشك على الانتهاء حتى كان الإعياء قد أخذ من مصر كل مأخذ؛ ولهذا نراها لا تستطيع أن تقف طويلا أمام قوى العثمانيين المتفوقة، وينتهي بها الأمر إلى الخضوع والاستقرار حينا.
وكأننا بالمصريين وقد أحسوا الخطر الداهم في ذلك الحين، فتدافعوا في منافسة عجيبة - طوال القرن التاسع الهجري - يسعون لجمع ما وصل إليهم من علم، وما كان بين أيديهم من كتب في موسوعات كبيرة،
5
فتظهر في هذا القرن أسماء لامعة، ونرى المقريزي يكتب الخطط والسلوك وعشرات غيرهما من الكتب، والقلقشندي يكتب صبح الأعشى، وابن خلدون يضع تاريخه في مصر، والسيوطي يجمع مئات الكتب، ثم نجد السخاوي أخيرا يؤرخ لهؤلاء جميعا ولغيرهم ممن عاشوا في هذا القرن في كتابه: «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع»، مترسما خطى أستاذه ابن حجر في كتابه: «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة».