فقدت مصر استقلالها بعد الفتح العثماني، وظلت القوى الثلاث الحاكمة (الباشا والديوان والمماليك)، وهي قوام النظام الذي وضعه سليم الأول لحكم مصر، وللاحتفاظ بها ولاية عثمانية أطول مدة ممكنة، ظلت هذه القوى تتناحر وتتنازع، وكل واحدة تبذل جهدها لتحقيق غرضين اثنين: (أ)
أن تقوى هي وتضعف القوتين الأخريين. (ب)
وأن تبتز من الشعب ما تستطيع ابتزازه من مال لتغنى.
وأما الشعب، وأما البلد، وأما نواحي الإصلاح للرقي بالشعب وبالبلد، فقد أهملت جميعا، حتى سطر التاريخ لهذا العهد صفحة سوداء، وغدت مصر توصف - في هذا العهد العثماني - بالضعف في كل شيء: بالضعف في النواحي الحربية والاقتصادية، وبالضعف في النواحي الصحية والعلمية، وخيم على البلاد نوع من الخمود والركود ظل ثلاثة قرون.
بحث الأستاذ شفيق غربال بك أسباب هذا الركود بحثا موفقا في المقدمة التي قدم بها كتاب: «الشرق الإسلامي في العصر الحديث» لصديقنا الدكتور حسين مؤنس، فنفى قول القائلين بأن هذا الركود يرجع إلى كون «الحكام العثمانيين من شعب يميل إلى المحافظة بسليقته، فالعثمانيون لم يكونوا من شعب واحد، ولم تكن العثمانية إلا دلالة على الانتماء لطائفة من الحاكمين، هذا إلى أن نظم العثمانيين الأولى، وما اختطه سلاطينهم الأول لشئون الحرب والسياسة، كان على جانب عظيم من المرونة والمقدرة ...»
6
ثم وضع الأستاذ بعد ذلك إصبعه على موطن الداء، وسبب هذا الركود، فقال: «قد يرجع الركود إلى أن القوة العثمانية حالت بلا شك دون اتصال أمم الدولة بالحضارات الأجنبية عموما، وبالحضارة الأوروبية خصوصا.»
ولكنه شأن الباحث المنصف المدقق يعود فيلتمس للعثمانيين العذر في النقطتين التاليتين فيقول: (1)
ولكن الباحث المنصف لا يستطيع أن يسلم بأن الأوروبيين في القرن السادس عشر وما تلاه من الأزمنة كانوا على استعداد لأن يقدموا للشرقيين المسيحيين والمسلمين من رعايا السلطان ثمرات نهوضهم العلمي هدية خاصة. كما أن الباحث لا يستطيع أن يجهل أن تقدم الحضارة الأوروبية كان في أغلب الأحايين اسما مرادفا لما كانت تقوم به الأسرات المالكة في أوروبا من الحروب في سبيل المجد، ويشد أزر الملوك - ولكن في سبيل المجد الأعلى - رجال الدين، وفي سبيل الاستقلال رجال المال. أما والأمر كذلك، فلا سبيل إلى القول بأن الشرق العثماني كان يستطيع الإفادة من النهضة الأوروبية دون أن ينزل عن رجولته وحريته ... (2)
والصحيح في مسألة الركود هو أن الدولة العثمانية تولت أمر أمم كانت على نوع من الإعياء، لم يكن الحكم العثماني قادرا على أن يزيله عنها: فالعثمانيون كانوا قوما يأخذون ولا يعطون، تشهد بذلك خططهم وفنهم وآدابهم، فلم يكن منهم إلا أن نظموا ما وقع تحت سلطانهم في ملك عريض وعملوا على ألا يتطرق إليه تغيير أو تعديل، شأنهم في هذا شأن الدول الكبرى المتعددة الأجناس والأديان تتهددها دول أخرى معادية.
7
ومهما تكن الأسباب، فإنا لا نستطيع أن ننسى أن هذا الركود الطويل دفع مصر وسكانها إلى الانكماش داخل بلادهم كما تنكمش القوقعة داخل صدفتها، وطال انكماش مصر وسكانها فأصيبت وأصيبوا بالضعف، شأن المريض يطول به الرقاد وتطول به الوحدة؛ ولهذا لا نعجب إذا قرأنا وصف الرحالة الأوروبيين الذين وفدوا على مصر والشام وسائر بلدان الدولة العثمانية في أواخر القرن الثامن عشر، أمثال سافاري وفولني وغيرهما. قال فولني يصف الحالة الصناعية والعلمية في مصر وقتذاك: «الجهل عام في هذه البلاد مثل سائر تركيا، وهو يتناول كل الطبقات، ويتجلى في كل العوامل الأدبية والطبيعية، وفي الفنون الجميلة، حتى الصناعات اليدوية، فإنها في أبسط أحوالها، ويندر أن تجد في القاهرة من يصلح الساعة، وإذا وجد فهو إفرنجي، أما الصياغة فأصحابها فيها أكثر مما في أزمير وحلب، لكنهم جهلاء، وإنما يتقنون المنسوجات الحريرية، وإن كانت أقل إتقانا وأغلى ثمنا من صنع أوروبا، أما العلم فوجود الأزهر فيها جعلها مرجع الطلاب في الشرق الإسلامي.»