ولهذا لا نجد الحضارة - من قديم - وقفا على شعب واحد دون غيره، بل هي كالوديعة يتناولها أبدا الشعب القوي فيزيد فيها وينميها، حتى إذا انتابته عوامل الضعف والكلال أسلمها أمانة - أيضا - إلى الشعب الذي ولد جديدا وفيه عناصر القوة الجديدة، وهكذا دواليك. فلا عجب إذن أن يجد طالب الفلسفة الحديثة - مثلا - نفسه في حاجة لأن يدرس تاريخ الفلسفة والفلاسفة عند أمم الشرق القديم، ثم عند اليونانيين، ثم عند المسيحيين والمسلمين في العصور الوسطى، إلى أن يصل إلى العصر الحديث؛ لأنه يجد للفلسفة قصة طويلة واحدة لا يمكن أن يقرأ فصلها الأخير ويفهمه، إلا إذا بدأ بالفصل الأول فاستوعبه، ثم أتبعه الفصول الأخرى فتفهمها، وهذا مثل بسيط ينطبق على كل علم أو فن أو أدب، بل وعلى كل فرع من علم أو فن أو أدب.
وطرائق التطعيم والتلقيح بين الحضارات بعضها والبعض الآخر كثيرة ومختلفة، تختلف باختلاف العصور، فقد كان الاتصال والتأثير عن طريق الحروب أحيانا، وعن طريق الهجرة والرحلة أحيانا أخرى، وقد كانت وساطته التجارة آنا، والسفارة آنا أخرى، والزواج آنا ثالثا ... إلخ، غير أن نقل العلوم من حضارة إلى حضارة، وترجمتها من لغة إلى لغة كانت هي الوسيلة المشتركة دائما، والناجحة أبدا.
فهؤلاء هم العرب، كانت حضارتهم قبيل ظهور الإسلام - إذا استثنينا ما قام في اليمن من حضارات قديمة - حضارة بدائية إذا قورنت بغيرها من الحضارات التي كانت تجاورها، كالحضارة المصرية، أو الحضارة الفارسية. وانتشر الإسلام في سرعة جامحة عجيبة شده لها العالم أجمع، وورث في سنوات قليلة أملاك الدولتين المجاورتين، وأخذ الدين الجديد ينتشر بين الأهلين، وأصبحت له حكومات في هذه البلاد الجديدة، وتزاوج الشعب العربي مع هذه الشعوب جميعا جنسا ولغة وحضارة. غير أن القرن الأول للدولة الإسلامية الجديدة انقضى والجهود تبذل لتوطيد الدعائم وتثبيت الأسس، وبذلت جهود ضئيلة في عهد بني أمية للنقل عن علوم الروم والفرس، ولم يبدأ العصر الذهبي للحضارة الإسلامية إلا في عنفوان الدولة العباسية - في عصري الرشيد والمأمون - حيث أقبل العلماء - يدفعهم ويشجعهم هذان العاهلان العظيمان - على الترجمة عن اللغات الأجنبية
2
فترجمت كتب كثيرة في الطب والفلك والرياضة والفلسفة والجغرافية ... إلخ ... إلخ، ومنذ ذلك الحين تفتحت عقول المسلمين، وأقبلوا يقرءون ويفهمون، ثم أدبروا يفكرون ويبحثون، فكان لهم بعد ذلك طب إسلامي، ورياضة إسلامية، وفلسفة إسلامية، وجغرافية إسلامية ... إلخ، وكون هذا كله حجارة جديدة وطابقا جديدا في بناء الحضارة العلمية، انبعث منه وسط دياجير العصور الوسطى المظلمة أشعة قوية نفاذة ملأت بلدان أوروبا وممالكها نورا على نور، وكانت مبعث النهضة الأوروبية الحديثة وبعض مقوماتها، وكان السلاح القوي لنقل هذه الحضارة الإسلامية إلى أوروبا وقتذاك هو الترجمة أيضا، فقد ترجمت معظم مؤلفات المسلمين في هذه العلوم إلى بعض لغات أوروبا وخاصة اللغة اللاتينية - لغة العلم والتعليم في أوروبا في تلك العصور - وأصبحت كتب العرب هي المراجع التي تدرس في جامعات أوروبا، بل وكان العرب هم الذي يدرسون في بعض تلك الجامعات، وخاصة جامعات إيطاليا.
3
انتقلت الحضارة الإسلامية إلى أوروبا عن طرق ثلاث: (أ)
اتصال الأوروبيين بالمسلمين في الأندلس ومملكة الصقليتين. (ب)
التجارة. (ج)
الحروب الصليبية.
وانقلب الأوروبيون - بعد أن منوا بالفشل في الحروب الصليبية - إلى عقر دارهم، وقد بهرتهم أنوار الحضارة الإسلامية، ومعهم مفاتيح تلك الحضارة، فتفرغوا لها يقتبسون معالمها، وينقلون آثارها، ويدرسون تواليفها، وساعدتهم عوامل جغرافية وتاريخية أخرى على أن يسيروا بالحضارة في دورها الجديد على طريقة جديدة تعتمد أكثر ما تعتمد على التفكير الحر أولا، وعلى الملاحظة والتجربة ثانيا، وقد مهد لهم هذا كله السبيل إلى كشوف علمية جديدة كانت هي الطلائع الممهدة لظهور حضارة القرنين التاسع عشر والعشرين. (2) عرض عام لحالة مصر والشرق الأدنى قبيل الحملة الفرنسية