49
وعند خروج الفرنسيين رحل معهم يعقوب وفي صحبته عدد كبير من جنود هذه الفرقة القبطية، أما يعقوب فقد أدركته المنية وهو في السفينة في عرض البحر، «أما أصحابه فقد عاد نفر منهم لوطنهم بعد قليل، وظل منهم في أوروبا آخرون قامت بينهم القضايا والدعاوى، ووقع أكثرهم في الفقر والفاقة، فأجرت عليهم الحكومة الفرنسية معاشا مدة طويلة، وانتهى أمرهم بالاندماج في الفرنسيين، ولم يكن من أثر ثابت لأحد منهم إلا لأليوس بقطر صاحب القاموس الفرنسي العربي ...»
50
ويبدو أن الفرنسيين اصطنعوا أول مجيئهم إلى مصر طائفة من شبان الأقباط الذين تسمح لهم سنهم بتعلم اللغة الفرنسية، ولم ينبغ من هؤلاء إلا أليوس بقطر، فقد كانت سنه عند مجيء الفرنسيين 15 سنة فاتصل بهم وتتلمذ عليهم، وتعلم اللغة الفرنسية، واشتغل بالترجمة لرجال الحملة، ثم ارتحل معهم، وأقام مع الجالية المرتحلة من مصر في «مارسيليا» حتى سنة 1812، ودأب في تلك المدة على تعلم اللغة الفرنسية حتى أتقنها، وفي تلك السنة استدعي إلى باريس حيث عهد إليه بترجمة بعض الوثائق العربية الخاصة بالحملة إلى اللغة الفرنسية، وشارك العلماء الفرنسيين في تحقيق الأسماء العربية الواردة في المصورات الجغرافية التي كانت تعد حينذاك لتنشر في كتاب «وصف مصر
Description de l’Egypte »، وعمل في ذلك الحين على وضع قاموس فرنسي عربي، وفي سنة 1821 - وهو في السابعة والثلاثين من عمره - عين مدرسا للغة العربية العامية بمدرسة اللغات الشرقية في «باريس»، ولكن المنية عاجلته في تلك السنة بعد أن انتهى من وضع قاموسه، فأشرف على طبعه في «باريس» خلفه في تدريس اللغة العربية المستشرق الكبير «كوسان دي برسيفال
Caussin de Perceval » في جزأين
51
سنة 1829.
وبعد، فهذه هي الطوائف التي قامت بالترجمة الرسمية في عهد الحملة، ولم تكن إحداها على علم متين باللغة العربية؛ لهذا جاءت النصوص المترجمة ضعيفة ركيكة الأسلوب، أقرب إلى اللغة العامية منها إلى اللغة العربية، وإن نظرة واحدة إلى النصوص الفرنسية لوثائق الحملة، ومنشوراتها الواردة في مراسلات نابليون وكتب الحملة، وإلى النصوص العربية لترجمة هذه الوثائق والفرمانات مما حفظه الجبرتي ونقولا الترك في كتابيهما، لتؤيد هذا الرأي. بل لقد أبدى الجبرتي نفسه رأيه في ضعف الترجمة في أكثر من موضع، فقد ذكر عند كلامه عن إنشاء الديوان في عهد «نابليون» أن الفرنسيين وضعوا لهذا الديوان قواعد وشروطا كتبوها «بتعبيرات سخيفة يفهم منها المراد بعد التأمل الكثير لعدم معرفتهم بقوانين التراكيب العربية.»
52
ولما ذكر نص محاكمة سليمان الحلبي قاتل «كليبر» قال في مقدمتها: «وقد كنت أعرضت عن ذكرها لطولها وركاكة تركيبها، لقصورهم في اللغة، ثم رأيت كثيرا من الناس تتشوق نفسه إلى الاطلاع عليها ... إلخ.»
53
الفصل الثالث
| الترجمة العلمية في عهد الحملة
المجمع العلمي، لجانه، أعضاء لجنتي الترجمة والطباعة، أغراضه، جهوده، أهم من اشتغل بالترجمة من أعضاء المجمع: «مارسل»، الأب روفاييل: ترجمة حياته قبل الحملة وفي عهدها، جهوده في الترجمة في عهد «نابليون» وفي المجمع العلمي، اختياره مترجما أول للديوان في عهد «مينو»، ترجمته لرسالة طبية عن مرض الجدري من تأليف «ديجينيت»، الرسائل التي ترجمت في عهد الحملة وطبعت في مطبعتها. ***
أما الترجمة العلمية فقد بدأ بها المستشرقون من علماء الحملة يساعدهم نفر من المترجمين السوريين، وإن كانت القلاقل السياسية التي انتهت بإخراج الحملة من مصر لم تمكنهم من الاستمرار في أداء هذا الواجب.
أسس نابليون المجمع العلمي المصري، أو «مدرسة العلما في بر مصر»
1 - كما يسميه مستشرقو الحملة - من علماء الحملة المختصين في دراسة نواحي العلم المختلفة، فكان بينهم المتوفرون لدراسة الرياضة والهندسة، والفلك، والميكانيكا، وطبقات الأرض، والمعادن، والطب، والجغرافيا، والآثار، والآداب، والفنون ... إلخ ... إلخ، ويهمنا أن نذكر أنه كان من بينهم المختصون في: (1)