وذكر الجبرتي مترجما سوريا آخر اسمه «نصر الله»، قال في حوادث ذي القعدة 1215 / أبريل 1801: «توفي محمد أغا مستحفظان مطعونا (أي بمرض الطاعون) ... ولم يقلدوا عوضه أحدا، بل أذنوا لعبد العال أن يركب عوضا عنه، وذلك بمعونة نصر الله النصراني ترجمان قائمقام «بليار».»
42
وممن اتصل بالفرنسيين من المترجمين السوريين أيضا: عبود وميخائيل الصباغ، وهما حفيدا إبراهيم الصباغ طبيب ظاهر العمر، وقد ولد ميخائيل
43
في عكا، وتلقى العلم بها، ثم ارتحل إلى مصر طلبا للعلم أيضا، واتصل بالفرنسيين عند قدومهم، وعاد معهم عند خروجهم حيث اتصل بالمستشرق الكبير «دي ساسي
De Sacy » في باريس، وعين مصححا للكتب العربية في المطبعة العربية هناك ثم ناظرا للمخطوطات الشرقية في المكتبة الأهلية.
ونقولا الترك
44
المؤرخ الثاني للحملة باللغة العربية بعد الجبرتي، كان والده من القسطنطينية، وارتحل إلى دير القمر حيث ولد له نقولا الذي نبغ في الأدب شعرا نثرا، واتصل بخدمة الأمير بشير الشهابي، وله فيه مدائح كثيرة، ثم سافر إلى مصر، وقيل إن سيده أرسله إليها ليدرس عن كثب مدى ما ترمي إليه أطماع الفرنسيين، وفي مصر اتصل بالفرنسيين وترجم لهم، وله كتاب بالعربية عن تاريخ الحملة في مصر والشام اسمه: «ذكر تملك الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية»، وقد قام بنشر النص العربي وترجمته الفرنسية في «باريس» سنة 1839 المسيو «ديغرانج
M. Desgranges ».
وكان من المترجمين السوريين للحملة أيضا القس جبرائيل الطويل:
45
غادر مصر مع الحملة، وبقي في فرنسا سنوات إلى أن عين أستاذا للغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية في «باريس» خلفا للأب رفاييل زاخور راهبة.
هؤلاء طائفة من المترجمين السوريين الذين شاركوا في الترجمة الرسمية في عهد الحملة الفرنسية، نضيف إليهم اسما أخيرا هو يعقوب بن يوسف (عزيز) الترجمان الحلبي الماروني، ذكره الأب بولس قرألي ضمن وفيات السوريين
46
في مصر سنة 1803.
ولا يمكن أن تكون هذه القائمة المختصرة ثبتا كاملا لأسماء المترجمين السوريين، فقد اتصل بالفرنسيين منهم أثناء مقامهم في مصر عدد كبير، وعند جلاء الفرنسيين عن مصر خرج معهم «جماعة كثيرة من القبط وبحار الإفرنج والمترجمين، وبعض مسلمين ممن تتداخل معهم، وخاف على نفسه بالتخلف، وكثير من نصارى الشوام والأروام ...»
47
ويذكر الأب قرألي أنه كان من بين هؤلاء المهاجرين «نحو خمسمائة سوري من طائفة الملكيين الكاثوليكيين ومعهم كاهنهم الخوري جبرائيل طويل، فاستوطنوا مارسيليا.»
48 (4)
المترجمون المصريون:
قد يلجأ الباحث المفكر بعد ذكر هذه الطوائف إلى البحث والتنقيب عله يجد من بين المصريين من قام بالترجمة للفرنسيين، ولكنه يجد أن حالة المصريين التعليمية في ختام القرن الثامن عشر لم تكن تؤهل واحدا منهم للقيام بهذه المهمة، كان المصريون أغلبية من المسلمين، وأقلية من الأقباط، ولم تكن مدارس الطائفتين ومعاهدهما العلمية تعنى بتدريس اللغة الفرنسية، أو أي لغة أخرى غربية، كذلك باعد الخلاف الديني بين المسلمين من المصريين وبين الفرنسيين، فلم يحاول أحد من عامة مسلمي مصر وطلابهم الاتصال بالفرنسيين في هذه المدة اليسيرة اتصال تلمذة ليتعلم عنهم اللغة الفرنسية، كذلك لم يكن علماء المسلمين الذين اتصلوا بالفرنسيين وأعجبوا بهم في السن التي تسمح لهم ببدء تلقي لغة جديدة.
أما العنصر الثاني من عناصر الشعب المصري، وهم الأقباط، فقد اتصلوا بالفرنسيين اتصالا وثيقا، وخاصة زعيمهم المعلم يعقوب الذي جعله الفرنسيون «صاري عسكر القبط»، فجمع «شبان القبط وحلق لحاهم، وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية مميزين عنهم بقبع يلبسونه على رءوسهم مشابه لشكل البرنيطة، وعليها قطعة فروة سوداء من جلد الغنم في غاية البشاعة على ما يضاف إليها من قبح صورهم، وسواد أجسامهم، وزفارة أبدانهم، وصيرهم عسكره وعزوته، وجمعهم من أقصى الصعيد، وهدم الأماكن المجاورة لحارة النصارى التي هو ساكن فيها خلف الجامع الأحمر، وبنى له قلعة وسورها بسور عظيم وأبراج وباب كبير يحيط به بدنات عظام، وكذلك بنى أبراجا في ظاهر الحارة جهة بركة الأزبكية، وفي جميع السور المحيط والأبراج طيقانا للمدافع وبنادق الرصاص على هيئة سور مصر الذي رمه الفرنساوية، ورتب على باب القلعة الخارج والداخل عدة من العسكر الملازمين الوقوف ليلا ونهارا، وبأيديهم البنادق على طريقة الفرنساوية.»