31
وكانت موانئ إيطاليا التجارية، وخاصة البندقية وجنوة وليفورنو، تضم منذ القرن الخامس عشر جاليات شرقية كبيرة، وإذ كانت موانئ مصر الشمالية على اتصال تجاري دائم بموانئ إيطاليا فقد تجددت رحلة السوريين من مصر إلى موانئ إيطاليا للتجارة أحيانا، وهربا من اضطهاد المماليك أحيانا أخرى.
32
وقد بلغ من ازدياد نفوذ هؤلاء المهاجرين المالي والاقتصادي أن طغوا على طائفتي اليهود والأقباط اللتين كان لهما احتكار الوظائف المالية في مصر منذ عهد طويل، ففي سنة 1182ه / 1768-1869م «قبض علي بك الكبير على المعلم إسحاق اليهودي معلم الديوان ببولاق وضربه حتى مات.»
33
ثم أعطي التزام هذا الديوان للمعلم ميخائيل فرحات السوري، وأصبح هذا الالتزام المالي الهام وقفا على مسيحيي السوريين منذ ذلك الحين، فقد حل المعلم ميخائيل الجمل بعد قليل محل ميخائيل فرحات، ولكن علي بك الكبير سرعان ما غضب على الجمل فعزله، وأعطى الديوان للمعلم يوسف البيطار الحلبي، فاستغاث الجمل بصديقه المعلم إبراهيم الصباغ مستشار ظاهر العمر أمير عكا، وحليف علي بك، فأجاب رجاءه، وسعى لدى علي بك حتى أعيد الديوان للجمل والبيطار معا، وفي سنة 1188 / 1774م توفي، فأعطي التزام الديوان للمعلم «أنطون فرعون قسيس»
34
زعيم مسيحيي الشام في مصر وقتذاك، وأثرى أثريائهم.
لهذا لا نعجب إذا عرفنا أن «نابليون» أرسل - وهو يعد العدة للحملة - إلى العالم «مونج» و«الجنرال ديزيه» في «روما» يأمرهما أن يتعاقدا مع بعض المترجمين من الشرقيين المقيمين في «إيطاليا»، وقد كان من بين المترجمين الذين تعاقدوا معهم اثنان من السوريين المقيمين في إيطاليا - من طائفة الروم الكاثوليك - هما: دون إلياس فتح الله ويوسف مسابكي.
35
وجاء في مذكرات القس أنطون مارون أن الفرنسيين - وهم في طريقهم إلى مصر - «طلبوا بعض الشرقيين للترجمة حيث صمموا النية للحضور للإقليم المصري، فخرج معهم جملة رهبان، وتقلدوا السلاح، ومن جملتهم «الراهب أنطون مشحرة» الذي نزع «الأسكيمو» والثوب الرهباني، وتقلد السلاح ... وحضر مع الفرنساوية لمصر.»
36
ولما بدأ الفرنسيون ينظمون شئون الحكم في مصر كان من بين أعضاء الديوان الذي أنشأه نابليون اثنان من السوريين، هما: يوسف فرحات وميخائيل كحيل.
37
وكان من الطبيعي أن يستعين الفرنسيون بمن في مصر من المسيحيين وخاصة السوريين لمعرفتهم باللغة العربية وباللغتين الفرنسية والإيطالية، ولاتفاق الطائفتين في اعتناق دين واحد ومذهب واحد، فكان «أنصارهم من نصارى البلد الأقباط، والشوام، والأروام.»
38
ولما انتهى نابليون من وضع النظام الجديد لحكم مصر فكر في أن يتقرب إلى والي عكا أحمد باشا الجزار، وأن يكتسب صداقته، فأرسل إليه هدية يحملها فرنسي، «وكان بصحبته أنفار من النصارى الشوام في صفة تجار، ومعهم جانب أرز ونزلوا من ثغر دمياط في سفينة من سفائن أحمد باشا، فلما وصلوا إلى عكا وعلم بهم أحمد باشا أمر بذلك الفرنساوي فنقلوه إلى بعض النقاير، ولم يواجهه، ولم يأخذ منه شيئا، وأمره بالرجوع من حيث أتى، وعوق عنده نصارى الشوام الذين كانوا بصحبته.»
39
وبعد تحطيم الأسطول الفرنسي في موقعة أبي قير البحرية، واليأس من وصول أي مدد جديد من فرنسا، أنشأ «نابليون» فرقة عسكرية من مسيحيي السوريين والأروام، وقام بتنظيم هذه الفرقة وتدريبها الجنرال «كليبر».
40
ولما أعيد إنشاء الديوان في عهد الجنرال «مينو» عين له مترجمان سوريان: القس رفائيل «ترجمان كبير»، وإلياس فخر
41 «ترجمان صغير». وقد لعب الأب أنطون رفائيل زاخور راهبة دورا هاما في الترجمة الرسمية في عهد الحملة، غير أنه لعب دورا أهم في الترجمة العلمية في عهدي الحملة ومحمد علي، مما سنتناول الكلام عنه بالتفصيل في مواضعه.