3
وبدأ نابليون يضع الأسس لحكومة جديدة يشترك فيها زعماء المصريين، ليستعين بهم في إدارة شئون البلاد، وإقناع الأهلين، وقد نص في الأمر الصادر بتكوين الديوان أن يكون أعضاؤه تسعة ينتخبون من بينهم واحدا للرياسة، وأن يختاروا سكرتيرا (كاتم سر) من غير الأعضاء، ويعينوا اثنين من الكتبة والتراجمة يعرفان الفرنسية والعربية.
والجبرتي يتحدث عن بعض أعمال هذين المترجمين في شذرات متفرقة نستطيع أن نتبين منها أن «الترجمان» كان الناقل لأوامر الفرنسيين، والقارئ لأوامرهم وفرماناتهم في الديوان، وأنه كان يضمن كلامه العربي كلمات فرنسية مما يدل على أن هذين المترجمين كانا من علماء الحملة الفرنسيين العارفين باللغة العربية. يقول الجبرتي عند كلامه عن الجلسة الأولى للديوان: «فلما استقر بهم الجلوس شرع ملطي القبطي الذي عملوه قاضي في قراءة فرمان الشروط،
4
وفي المناقشة، فابتدر كبير المديرين في إخراج طومار آخر، وناوله الترجمان فنشره وقرأه ...»
5
ثم يقول عند الكلام على انتخاب رئيس الديوان: «ثم قال الترجمان: نريد منكم يا مشايخ أن تختاروا شخصا منكم يكون كبيرا ورئيسا عليكم ... فقال بعض الحاضرين: «الشيخ الشرقاوي.» فقال: نو، نو، وإنما ذلك يكون بالقرعة ... إلخ.»
6
وأراد نابليون أن يصبغ المجتمع المصري بالصبغة الفرنسية. فانتهز فرصة اجتماعه بالمشايخ الذين اختيروا أعضاء للديوان، وأحضر لكل منهم طيلسانا وشارة مثلثتي الألوان، وبدأ فألبس الطيلسان للشيخ الشرقاوي، فثار، وألقى به إلى الأرض، «واستعفى، وتغير مزاجه، وامتقع لونه، واحتد طبعه، فقال الترجمان: «يا مشايخ أنتم صرتم أحبابا لصاري عسكر، وهو يقصد تعظيمكم، وتشريفكم بزيه وعلامته ...» وغضب نابليون لفعلة الشرقاوي غضبا شديدا، وتكلم بلسانه، وبلغ عنه بعض المترجمين أنه قال عن الشيخ الشرقاوي إنه لا يصلح للرياسة ... إلخ.»
7
ولم يكن الشيخ السادات بين الحاضرين، ولكنه أتى بعد انصرافهم، «فلما استقر به الجلوس بش له وضاحكه صاري عسكر، ولاطفه في القول الذي يعربه الترجمان، وأهدى له خاتم ألماس.»
8
ثم ألبسه الشارة المثلثة الألوان، فلم ير كزملائه أن لبسها كفرا، بل تركها حتى خرج فنزعها.
وعندما أصدر الفرنسيون أوامرهم بتنظيم دفن الموتى، وشرع بعض رجالهم في هدم التراكيب المبنية على المقابر في مقبرة الأزبكية، وتسويتها بالأرض، ثار القاهريون وخرجوا في مظاهرة كبيرة إلى بيت نابليون، «ووقفوا تحت بيت صاري عسكر، فنزل لهم المترجمون واعتذروا بأن صاري عسكر لا علم له بذلك ...»
9
وذكر الجبرتي عند كلامه على تنظيم الديوان في عهد نابليون، وتقسيمه إلى «خصوصي وديمومي» أسماء أعضاء الديوان، ثم قال: «ومعهم وكلاء ومباشرون من الفرنسيس، ومترجمون ...»
10
هذا، ولم تخضع أطراف مصر للفرنسيين في الحال، فأرسل نابليون جنوده لإخضاع الصعيد،
11
وشمال الدلتا الشرقي، وتنظيم هذه البلاد، ثم كونت في عواصم المديريات دواوين صغيرة على نمط الديوان الكبير في القاهرة، وكان يصحب هذه الكتائب من الجيش الفرنسي ويعين رجال الإدارة منهم في حكم الأقاليم نفر من هؤلاء المترجمين، كذلك اصطحب الجيش الفرنسي بعضا منهم معه في حملته على الشام.
وذكر الجبرتي أيضا أن المشايخ والأعيان ذهبوا لمقابلة نابليون والسلام عليه بعد عودته من الإسكندرية عقب موقعة أبي قير البرية، «فلما استقر بهم المجلس قال لهم على لسان الترجمان: إن صاري عسكر يقول لكم إنه لما سافر إلى الشام كانت حالتكم طيبة في غيابه، وأما في هذه المرة فليس كذلك، لأنكم كنتم تظنون أن الفرنسيس لا يرجعون، بل يموتون ... وأن المهدي والصاوي ما هم «بونو» أي ليسوا بطيبين.»
12
وعاد نابليون إلى فرنسا، وولى كليبر قيادة الحملة، فظل للترجمة الرسمية شأنها الأول، وللمترجمين مركزهم الهام كوسطاء لنقل الحديث بين الحكام والمحكومين وترجمة الأوامر والفرمانات والوثائق الرسمية، يقول الجبرتي عند كلامه على مشروع اتفاقية العريش: «ولما ورد ذلك الطومار المتضمن لعقد الصلح والشروط عربوه وطبعوا منه نسخا كثيرة فرقوا منها على الأعيان، وألصقوا منها بالأسواق والشوارع.»