تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23

ويذكر تلميذه وصديقه رفاعة أنه كان معنيا بالبحث في العلوم غير الدينية، وخاصة العلوم الجغرافية والتاريخية، وأنه وجد بخطه هوامش على كتاب تقويم البلدان لأبي الفداء، وعلى طبقات الأطباء، وغيره من الكتب التاريخية، وأنه «كان يطلع دائما على الكتب المعربة من تواريخ وغيرها، وكان له ولوع شديد بسائر المعارف البشرية مع غاية الديانة والرصانة، وله بعض تآليف في الطب وغيره ...»

24

وذكر المستشرق الإنجليزي المستر لين

Mr. Lane : أن الشيخ العطار كان واحدا من أكبر علماء مصر الممتازين وقت وجوده بها، ولكنه أشار إلى أنه لم يكن متضلعا في العلوم الدينية تضلعه في الدراسات الأدبية.

25

وعندما وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر كان العطار في الثانية والثلاثين من عمره فسافر إلى أسيوط، فلما استقرت الأحوال عاد إلى القاهرة، يقول علي مبارك باشا: «واتصل بناس من الفرنساوية، فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم ويفيدهم اللغة العربية، ويقول: إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها، ويتعجب بما وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم، وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطريق الاستفادة.»

26

أيقظت الحملة الفرنسية إذن عقول بعض علماء مصر وخاصة عقول هؤلاء الأقطاب الثلاثة، وبهرتهم علوم الفرنسيس وأثرت في فن كل منهم، فكانت كتابة الجبرتي «في تاريخه بعد الحملة أدق وأكثر نقدا لسير الحوادث ورجالها مما كانت عليه قبل الحملة ...»

27

كما أصبح شعر الخشاب أرق حاشية وأسلس أسلوبا، أما العطار فقد انحرف عن علماء عصره وترك الدراسات الدينية واللغوية جانبا، وعني عناية كبيرة بالدارسات الأدبية، وكون له في هذا الميدان مدرسة جديدة كان من تلاميذها الذين حذوا حذوه: الشيوخ إبراهيم الدسوقي، ومحمد عياد الطنطاوي، ومحمد عمر التونسي، ورفاعة رافع الطهطاوي، وسيكون لهذه النخبة الطيبة جهود محمودة في حياة الترجمة الحافلة في عصر محمد علي.

وقد عاش الشيخ العطار حتى ولي مشيخة الأزهر في عهد محمد علي، وشهد هذا التغير في الأحوال والمعارف الذي تنبأ به، وخطب في الاحتفال الذي عقد بمناسبة عقد الامتحانات الأولى لمدرسة الطب، وهو أخيرا صاحب الفضل على تلميذه رفاعة الطهطاوي زعيم النهضة العلمية الحديثة، وهو الذي قدمه لمحمد علي ليكون إمام البعثة المصرية إلى فرنسا (سنة 1826م)، وهو الذي أشار عليه أن يسجل مشاهداته في هذه البعثة التي أخرجها رفاعة فيما بعد في كتابه الممتع «تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز». •••

بدأت إذن الثقافتان الفرنسية والعربية تتصلان إحداهما بالأخرى وتؤثران إحداهما في الأخرى، ولو قدر للحملة أن تطول مدتها لكان من المحتم أن يعمل كل فريق على نقل ثقافة الفريق الآخر إلى لغته، وخاصة أن علماء الحملة كان من بينهم عدد من المستشرقين، وكانت مكتبتهم تضم كتبا عربية وفرنسية كثيرة أحضروها معهم، وكانت مكتبات المساجد والخاصة في مصر تضم بين جدرانها آلاف الكتب المخطوطة التي كانت تنتظر في صبر نافد من يفتحها ليقرأها ويعدها للنشر أو للترجمة، وكانت الحملة أخيرا قد أحضرت معها عدة هذا النشر وآلته وهي «المطبعة العربية» أو «مطبعة جيش الشرق» أو «مطبعة الجيش البحري» كما كانت تسمى وهي في طريقها إلى مصر.

وكانت هذه المطبعة معدة بالحروف العربية والفرنسية

28

واليونانية التي جمعها لها نابليون من باريس ثم استكمل لها الأحرف العربية الناقصة من مطبعة «البروباجندا»

29

بروما، وقد بدأ القسم العربي من هذه المطبعة عمله وهو على ظهر البارجة «أوريان

L’Orient » في عرض البحر، فطبعت به نسخ من الترجمة العربية للمنشور الذي أعده نابليون لإذاعته على المصريين، وعندما نزل جنود الحملة الفرنسية إلى أرض مصر سميت مطبعتهم ب «المطبعة الشرقية» و«المطبعة الفرنسية»، وأمر نابليون أن تنقل بأقسامها الثلاثة إلى منزل قنصل البندقية بالمدينة، وأن تركب أجزاؤها وتكون معدة للعمل في ثمان وأربعين ساعة، وأن تطبع أربعة آلاف نسخة أخرى من المنشور، ولما استقر الفرنسيون في القاهرة نقلت هذه المطبعة إليها، وسميت «المطبعة الأهلية»

تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسيةص ١١