تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

وقد أخطأ كل من جورجي زيدان والأب لويس شيخو فهم هذا النص، فأثبتا في كتابيهما عن تاريخ الآداب العربية في القرن 19 أن هذه السجلات التي كان يكتبها الخشاب تعتبر أول صحيفة عربية صدرت في الشرق، قال زيدان: «إن هذه النشرة التي كان يدونها الخشاب، وتطبع ثم توزع على الجنود، تشبه أن تكون أول جريدة عربية رسمية لكنها عسكرية.»

16

ثم قال في نفس المرجع ص52: إن الفرنسيين أنشئوا في مصر «ديوانا للقضايا كان يصدر صحيفة اسمها «التنبيه» ينشرون فيها ما يجري فيه، ويفرقونها على العمال، وكان يحررها السيد إسماعيل الخشاب، فهي كالصحيفة العسكرية أو القضائية.»

وقال شيخو استنتاجا من نص الجبرتي: «فهذه كما ترى جريدة يومية وهي أول جريدة ظهرت في العربية.»

17

وواضح جدا من عبارة الجبرتي أن الخشاب لم يكن إلا كاتب الديوان أو مسجل مضبطته، وإذ كانت هذه العناية بتدوين ما يقال في الديوان جديدة وغريبة على الجبرتي فقد عللها بعناية القوم «بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم»؛ لأنهم كانوا «يجمعون المتفرق في ملخص» ويوزعونه «في جميع الجيش»، ولا يعقل أن يوزع هذا الملخص في جميع الجيش - الفرنسي طبعا - باللغة العربية. والصحيح أن هذا الملخص الذي كان يطبع وتوزع نسخ منه في جميع الجيش حتى لمن كان في الأرياف هو الصحيفة الفرنسية

Le Courier de l’Egypte

التي كانت تصدر

18

كل 5 أيام.

وقد يكون الباعث لهذين المؤرخين على هذا الاستنتاج ما ذكره الجبرتي بعد ذلك من أن الخشاب اختار لنفسه بعض ما ورد في هذه المضابط، فإنه يقول: «فجمع من ذلك عدة كراريس ولا أدري ما فعل بها.» والذي تذكره المراجع الفرنسية أن الجنرال «مينو» أصدر مرسوما في 26 نوفمبر سنة 1800 بإنشاء جريدة عربية اسمها «التنبيه

L’Avertissement »

19

واختار السيد إسماعيل الخشاب ليكون رئيسا لتحريرها، وذلك تحت إشراف أعضاء الديوان من العلماء، ويكون من أغراضها البحث في أعمال الديوان وأعمال الحكومة الفرنسية ونشر الأخبار الداخلية والخارجية وبعض المقالات في الفنون والعلوم والأخلاق ... إلخ، ويقول الدكتور إبراهيم عبده: «على أن الآمال التي علقت على ظهور التنبيه لم تتحقق إذ إن الظروف السياسية واضطراب الأمن كل ذلك حال دون ظهور الجريدة، وبقي مرسوم إنشائها معطلا حتى جلا الفرنسيون عن مصر.»

20

وقد ظل الخشاب يلي وظيفته هذه في الديوان «ضحوة يومين في الجمعة» طول عهد «مينو» حتى خرجت الحملة من مصر، وذلك مقابل أجر شهري قدره سبعة آلاف نصف فضة.

وكانت الصداقة تربط بين هذين العالمين - وأحدهما مؤرخ والثاني شاعر - وبين عالم ثالث جليل هو الشيخ حسن العطار، يقول الجبرتي عن صديقيه: «فكانا كثيرا ما يبيتان بداري لما بيني وبينهما من الصحبة الأكيدة والمودة العتيدة، فكانا يرتاحان عندي ويطرحان التكلفات ... ثم يتجاذبان أطراف الكلام فيجولان في كل فن من الفنون الأدبية والتواريخ والمحاضرات ... وكانت تجري بينهما منادمات أرق من زهر الرياض، وأفتك بالعقول من الحدق المراض، وهما حينئذ فريدا وقتهما ووحيدا عصرهما ...»

21

وكانت أسرة العطار مغربية الأصل، كما كان أبوه عطارا، ولكن الشيخ حسن مال لدراسة العلم منذ الصغر، فشجعه أبوه على ذلك وأعانه، فشب شغفا بالعلم والبحث في كل غريب، وكان شخصية فذة، وامتاز على أقرانه بعقلية حرة ناضجة، فأحس بأن العلوم التي كانت تدرس في الأزهر حينذاك علوم فجة لا طائل تحتها، فدرس بنفسه علوم الهيئة والطب والفلك والرياضة، ومرن على استعمال الاسطرلاب وألف رسالة في كيفية العمل به وبالربعين المقنطر والمجيب، وكان يحسن عمل المزاول الليلية والنهارية.

22

ويقول صديقه ومعاصره الشيخ محمد شهاب الشاعر إنه «كان آية في حدة النظر وشدة الذكاء، ولقد كان يزورنا ليلا في بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تعسر قراءته في وضح النهار، فيقرأ فيه على نور السراج وهو في موضعه، وربما استعار مني الكتاب في مجلدين فلا يلبث عنده إلا الأسبوع أو الأسبوعين، ويعيده إلي، وقد استوفى قراءته وكتب في طرره على كثير من موضعه ...»

تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسيةص ١٠