8
وقد تعمدت أن أنقل هذه النصوص الطويلة عن وصف الجبرتي لأقسام المجمع لأبين الفارق العظيم الذي كان يفصل حينذاك بين عقلية الغرب وعلوم الغرب - يمثلها علماء الحملة - وبين عقلية مصر والعلوم في مصر - يمثلها كبير من علمائها - ويبرز هذا الفارق اعتراف الجبرتي في تعليقه على هذا الوصف كله، فإنه يقول: «ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة، «ينتج منها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا».»
وبمضي الوقت قويت الصلة بين الجبرتي ورجال الحملة الفرنسية في مصر، وكان الديوان قد عطل إبان المفاوضات بين الفرنسيين والأتراك لعقد معاهدة العريش، فقد كان الفرنسيون معتزمين الرحيل إذا نفذت المعاهدة، ولكن المعاهدة نقضت، ومع هذا ظل الديوان معطلا، ولم يفكر كليبر في إعادته، فلما قتل وانتقلت القيادة إلى «مينو» أعاد الديوان في صورة غير صورته أيام نابليون، وليس فيه كما يقول الجبرتي: «خصوصي وعمومي ... بل هو ديوان واحد.»
9
وكونه من «تسعة أنفار متعممين لا غير، وليس فيهم قبطي، ولا وجاقلي، ولا شامي ...»
9
واختير مؤرخنا الشيخ عبد الرحمن الجبرتي عضوا في هذا الديوان وأشار إلى نفسه عند ذكر أسماء الأعضاء بقوله: «وكاتبه»
9
بعد ذكر اسم الشيخ الصاوي مما جعل البعض ينكر اختياره عضوا في الديوان ويظن أنه يقصد بلفظ «كاتبه» كاتب الشيخ الصاوي، غير أنه مما يؤيد اختياره عضوا في الديوان أن جريدة «الكورييه دليجيبت
Courier de l’Egypte » التي كانت تصدر في مصر وقت وجود الحملة بها نشرت في العدد 91 الصادر في 5 افريمير من السنة التاسعة (ديسمبر سنة 1800) رسالة ودية أرسلها أعضاء الديوان وقتذاك إلى نابليون القنصل الأول في فرنسا، وفي أسفل الرسالة توقيعات أعضاء الديوان جميعا ومن بينها توقيع الجبرتي
10 (انظر أيضا الشكل رقم
1-1 ).
شكل 1-1: في سنة 1215 / 1800 وفي عهد الجنرال مينو، قام م. لوبير
M. Le Pér
المهندس وأحد أعضاء المجمع بإصلاح مقياس النيل بالروضة، وقد أرسل الديوان بهذه المناسبة خطابين إلى «مينو» و«لوبير» لشكرهما على العناية بالمقياس، وقد أثبتت صور الخطابين في كتاب «وصف مصر» ج15 ص140 وما بعدها، ونص في هامش هذه الصفحة على أسماء أعضاء الديوان في تلك السنة ومن بينهم عبد الرحمن الجبرتي، وهذه صورة للهامش المذكور.
ولم يكن الجبرتي العالم المصري الوحيد الذي اتصل بالفرنسيين وأعجب بعلمهم، بل اتصل بهم أيضا شاعر مصر وقتذاك السيد إسماعيل الخشاب، فالجبرتي يروي له شعرا قاله في رجلين منهم، أحدهما اسمه «ريج»
11
والثاني واحد من رؤساء كتابهم من العارفين ببعض العلوم العربية. يقول الجبرتي: «ولما وردت الفرنساوية لمصر اتفق أن علق (أي الخشاب) شابا من رؤساء كتابهم، كان جميل الصورة لطيف الطبع عالما ببعض العلوم العربية، مائلا إلى اكتساب النكات الأدبية، فصيح اللسان العربي، يحفظ كثيرا من الشعر، فلتلك المجانسة مال كل منهما للآخر، ووقع بينهما توادد وتصاف حتى كان لا يقدر أحدهما على مفارقة الآخر، فكان - الخشاب - تارة يذهب لداره وتارة يزوره هو ...»
12
كان أبو الخشاب نجارا ثم احترف تجارة الأخشاب، غير أن ابنه لم يشأ أن يمتهن مهنة أبيه، وتثقف بثقافة العصر الدينية اللغوية، وتلقى العلم على مشايخ العصر، واتصل منهم بالشيخ العروسي شيخ الجامع الأزهر (1193-1208 / 1179-1793)، وبالعلامة السيد محمد المرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس، وبالشيخ محمد الأمير
13
مفتي المالكية ... إلخ ... إلخ، ثم أقبل على قراءة الكتب الأدبية، وكتب الصرف والتاريخ، «وأولع بذلك ... حتى صار نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات، واستحضار المناسبات والماجريات، وقال الشعر الرائق، والنثر الفائق ...»
14
ويبدو أن هذه الصداقة بينه وبين بعض المستشرقين من علماء الحملة مهدت له السبيل للاتصال الرسمي بقادة الفرنسيين، فلما أعيد تأسيس الديوان في عهد «مينو» اختير الشيخ إسماعيل ليكون أمينا لمحفوظات الديوان، أو على حد تعبير الجبرتي: «كاتب سلسلة التاريخ»، فكان هو «المتقيد برقم كل ما يصدر في المجلس من أمر أو نهي، أو خطاب أو جواب، أو خطأ أو صواب.» وذلك لأن «القوم كان لهم مزيد اعتناء بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم، وأماكن أحكامهم، ثم يجمعون المتفرق في ملخص يرفع في سجلهم بعد أن يطبعوا منه نسخا عديدة يوزعونها في جميع الجيش حتى لمن كان منهم في غير مصر من قرى الأرياف، فنجد أخبار الأمس معلومة للجليل والحقير منهم ...»