وفي عهد عباس الأول انزوى أبو السعود أفندي موظفا عاديا لا جهد له ولا نشاط. ولا عجب فهو تلميذ رفاعة، فلما تولى سعيد باشا الحكم عاد أبو السعود إلى الحياة، وسافر مع الوالي إلى السودان كاتبا لمعيته، وبعد عودته عين بقلم الترجمة بالخارجية. وفي أوائل عهد إسماعيل عاد إلى قلم الترجمة الملحق بديوان المدارس ليعمل من جديد بالاشتراك مع زميله صالح مجدي تحت رئاسة أستاذهما القديم رفاعة بك.
وفي هذا العهد بلغ نشاطه في الترجمة والتأليف أوجه، فترجم سبعة كتب، معظمها في التاريخ - وهو العلم الذي تخصص فيه - وبعضها في الزراعة أو الكيمياء أو القانون أو الجغرافيا.
وفي هذا العهد أيضا خطا أبو السعود خطوة جريئة، فأنشأ في مصر أول صحيفة وطنية شعبية، هي جريدة «وادي النيل». وقد كان لهذه الصحيفة شأن كبير في التمهيد للحركة الوطنية في عهد إسماعيل.
وقد ساهم أبو السعود في تحرير أول مجلة مصرية ظهرت في ذلك الوقت، وهي «روضة المدارس»، ثم اختير في أخريات أيامه ناظرا لقلم الترجمة خلفا لأستاذه رفاعة، ثم كان مدرسا للتاريخ بمدرسة دار العلوم، وعضوا بمجلس الاستئناف إلى أن توفي في الثامن من صفر سنة 1259ه.
أما السيد صالح مجدي فهو من أسرة عربية الأصل، ولد في قرية أبي رجوان من أعمال مديرية الجيزة في سنة 1242ه أو سنة 1243ه، وتلقى علومه الأولى في مكتب حلوان الأميري، ومنه اختير - كما اختير زميله أبو السعود - ليكون تلميذا بمدرسة الألسن، فألحق بها في سنة 1252ه.
وفي عهد تلمذته بهذه المدرسة ظهر نبوغه في اللغتين العربية والفرنسية، فلما أنشئ قلم الترجمة في سنة 1258ه، وجعل من أقسامه قسم لترجمة الكتب الرياضية تحت رئاسة بيومي أفندي، جعل السيد صالح مجدي وكيلا لهذا القسم، وفيه ترجم كتابين: أحدهما جداول المهندسين، وثانيهما تطبيق الهندسة على الميكانيكا والفنون.
وفي سنة 1260ه نقل إلى مدرسة المهندسخانة، خلفا لزميله أبي السعود الذي نقل من المهندسخانة إلى قلم الترجمة في سنة 1259ه. وفي هذه المدرسة عين مجدي «لتدريس اللغتين الفرنساوية والعربية، وتعليم نجباء تلامذتها فن الترجمة، وتعريب فروع الرياضيات التي تدرس بها على القواعد العربية.» ويقول علي مبارك في خططه: «إني قد كنت من رجال هذه المدرسة، فعرفت المترجم فيها واتخذته لي صاحبا وصديقا، وكنت قد تعينت في سنة ستين التي التحق هو فيها بتلك المدرسة للسفر مع عدة من أمثالي إلى مملكة الفرنسيس لتكميل العلوم الرياضية وتحصيل الفنون العسكرية المتعلقة بالطوبجية والاستحكامات، فلما رجعت إلى مصر بعد خمس سنين وجدته قد وصل إلى رتبة يوزباشي وأخبرني أنه أحرزها في سنة 1262ه، وأنه عرب في هذه المدة عدة كتب في فروع الرياضيات، منها كتاب في الطبوغرافيا والچيودوزيه، وكتاب ميكانيكا نظرية، وكتاب ميكانيكا عملية، وكتاب أدروليكا، وكتاب حساب آلات، وكتاب طبيعة، وكتاب هندسة وصفية، وكتاب في حفر الآبار، ورسالة في الأرصاد الفلكية تأليف الشهير «أرجو». ولما أحيلت على عهدتي نظارة المهندسخانة وما معها سنة ست وستين بعد انتقالي من رتبة صاغقول أغاسي إلى رتبة أميرالاي كان لي المترجم رفيقا مع قيامه بوظائفه. وطالما استعنت بقلمه على تأليف كتب متنوعة في فنون شتى. وقد ترجم في تلك المدة عدة كتب في الرياضة، منها كتاب في الحساب، وكتاب في الجبر، وكتاب في تطبيق الجبر على الأعمال الهندسية، وكتاب في الظل والمنظور، وكتاب في حساب المثلثات، وكتاب في الهندسة الوصفية، وكتاب في قطع الأحجار والأخشاب، وهي كتب جار عليها العمل إلى الآن في المدارس. وله غير ذلك من الكتب التي تجل عن الحصر ...»
وهكذا كان صالح مجدي أسعد حظا من صديقه أبي السعود؛ فقد مهدت له معرفته بعلي مبارك السبيل إلى البقاء في مدرسة المهندسخانة في عهد عباس. وفي هذه المدرسة قضى نحو عشر سنوات أنتج فيها هذا الإنتاج الضخم.