وبعد سنوات قليلة من ترجمة هذا الكتاب أهدى المؤرخ الفرنسي «مونيقورس» كتابه في «تاريخ ملوك فرنسا» إلى شريف باشا «مدير عموم المالية»، «وبالمذاكرة مع حضرة البك المفخم، مدير عموم المدارس إبراهيم أدهم، استقر الرأي على طبعه، وأن يطبع على ذمة حضرة الباشا المشار إليه، مكافأة لمؤلفه في نظير الإهداء ...»
وقد قام بترجمته حسن قاسم أفندي أحد خريجي الألسن، وطبع في بولاق في سنة 1264ه.
وقد عرف رفاعة أن محمد علي يعنى عناية خاصة بدراسة سير أمثاله من الملوك المصلحين الذين نهضوا بأممهم نهضات يذكرها التاريخ؛ لهذا «اختار تاريخ ملك من ملوك الإفرنج، تعلو همته بينهم على المريخ، وهو تاريخ بطرس الأكبر، الذي فضله بين ممالك أوروبا أشهر من أن يذكر.» وعهد إلى نابغ آخر من تلاميذه ومواطنيه - وهو أحمد عبيد الطهطاوي أفندي - بترجمته. والكتاب من تأليف الفيلسوف الفرنسي المعروف «فولتير».
ومن كتب التراجم التي عربها خريجو الألسن كذلك: كتاب «مطالع شموس السير في وقائع كارلوس الثاني عشر»، ترجمه محمد مصطفى الزرابي أفندي، «وكانت ترجمته بأوامر مدير المدارس، لا زال مختارا لإبراز الدرر والنفائس.»
ولما كان الكتاب يؤرخ لمملكة «أسوج» - السويد - حتى عهد كارلوس الثاني عشر، فقد رأى المترجم أنه من المناسب أن يذيله «بتذييل لطيف يذكر فيه من حكمها بعده من الملوك إلى عهدنا هذا - طبع الكتاب في 1257ه - على طريق الإيجاز، لتعلم أحوال تلك البلاد الشمالية، وتتم بذلك فائدة الكتاب ...» وقد انتخب المترجم هذا التذييل من «كتاب المؤلف راغوان في أحوال القرن الثامن عشر».
ذكرنا قبل هذا أن خريجي الألسن في نحو عشر سنوات يتراوحون بين السبعين والمائة، وأنهم ترجموا ما يقرب من الألفي كتاب. ومن العسير أن نترجم هنا لجميع هؤلاء الخريجين أو أن نذكر بالتفصيل جهودهم العلمية، فاكتفينا بعرض التيارات العامة التي كانت توجه تلاميذ رفاعة في قلم الترجمة الملحق بالألسن. وتحدثنا حديثا موجزا عن بعض جهود هؤلاء التلاميذ تحت ضوء هذه التيارات، وسنتخير هنا علمين من أعلام هؤلاء التلاميذ فنتحدث عن حياتهما وجهودهما.
هذان العلمان هما: عبد الله أبو السعود أفندي، والسيد صالح مجدي أفندي (بك فيما بعد)، وقد دفعنا إلى اختيارهما أنهما كانا أكثر الخريجين اتصالا بأستاذهم رفاعة في عهد محمد علي ثم في عهد إسماعيل، وأنهما كانا أكثر الخريجين إنتاجا وترجمة بل وتأليفا فيما بعد.
أما أبو السعود أفندي فقد ولد في دهشور سنة 1236ه، وكان والده قاضيا، ثم اختير ناظرا لأحد المكاتب التي أنشأها محمد علي، وهو مكتب البدرشين، وذلك في سنة 1248ه، فألحق ابنه تلميذا بهذا المكتب، ومنه اختاره رفاعة بك في سنة 1250ه ليكون تلميذا بمدرسة الألسن. وفيها تفوق على أقرانه وخاصة في اللغة العربية، فاختير في سنة 1254ه مدرسا لهذه اللغة خلفا لأستاذه الشيخ حسنين الغمراوي، ومنح رتبة الملازم الثاني.
وبعد قليل رقي إلى رتبة الملازم الأول، ونقل إلى مدرسة المهندسخانة فكان يدرس بها اللغة الفرنسية، ويشترك في تصحيح الكتب الرياضية التي يترجمها مدرسوها. ولم يكتف في هذه السنوات بالثقافة التي تلقاها في الألسن، بل كان يحضر دروس الفقه في الجامع الأزهر، ومن أساتذته هناك: الشيخ خليل الرشيدي، والشيخ أحمد المرصفي، والشيخ المنصوري، والشيخ التميمي المغربي. وفي سنة 1259ه، عندما أعيد تنظيم قلم الترجمة الملحق بالألسن تحت رئاسة رفاعة بك ونظارة كاني بك، نقل إليه أبو السعود أفندي، ولم يترجم في تلك الفترة إلا كتاب «نظم اللآلئ في السلوك فيمن حكم فرنسا ومن قابلهم على مصر من الملوك». والثلثان الأولان من الكتاب مترجمان عن الفرنسية وموضوعهما تاريخ ملوك فرنسا من الدولة «الميروفنجية» إلى عهد الملك «لوي فيليب». أما الثلث الأخير فمن وضعه وقد ضمنه تاريخ حكام مصر وولاتها منذ عهد الخليفة أبي بكر الصديق إلى عهد السلطان عبد المجيد. وقد طبع هذا الكتاب في بولاق سنة 1257ه.