تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي عهد سعيد باشا عاد أستاذه رفاعة من السودان. غير أنه ظل مدة عاطلا، فنقل مجدي في سنة 1272ه وكيلا لمأمورية أشغال الطوابي بالقلعة السعيدية، وعهد إليه بترجمة الكتب العسكرية ثم مباشرة طبعها في مطبعة بولاق. ثم لم يلبث أن جذبه رفاعة إليه، فنقل ناظرا لقلم الترجمة الملحق بالمدرسة الحربية بالقلعة التي كان يتولى نظارتها رفاعة.

وفي أوائل عهد إسماعيل أعيد إنشاء قلم الترجمة الملحق بديوان المدارس، وتولى الإشراف عليه رئيسه القديم رفاعة بك، وكان من مترجميه أبو السعود وصالح مجدي، بل لقد أتى على هذا القلم وقت لم يكن به من المترجمين غير صاحبينا وزميل ثالث لهما كان له شأن أي شأن في ترجمة الكتب التاريخية في عصر محمد علي وهو حسن أفندي الجبيلي.

وقد شارك مجدي في تلك الفترة - كأستاذه رفاعة وزميله أبي السعود - في التحرير في روضة المدارس، ثم في ترجمة «قانون نابليون

Code du Napoleon »، وفي ترجمة القوانين المختلفة الأخرى التي تم نقلها إلى اللغة العربية في عهد إسماعيل. وظل يتقلب في الوظائف حتى عين في سنة 1293ه/1875م قاضيا بمحكمة مصر، ولبث يشغل هذا المنصب حتى توفي في ذي الحجة سنة 1298ه.

وفي كل تلك العهود كان علي باشا مبارك يستعين به وبجهوده وعلمه في تأليف وتصنيف معظم كتبه؛ فقد قال في الخطط: «وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين بعد الألف أحيلت على عهدتي - وأنا إذ ذاك ناظر القناطر الخيرية - مأمورية تأليف كتاب الهجاء والتمرين، فطلبت المترجم من ديوان المدارس بأمر عال، فحضر عندي، واشتغل معي بالكتاب المذكور حتى تم على أحسن حال ... وتكرر طبعه حتى زادت نسخه على خمسة عشر ألفا ...» ثم قال: «ولما أحيلت على عهدتي نظارة عدة دواوين ومصالح في آن واحد استعنت بقلمه على تحرير عدة لوائح وترتيبات نافعة لإدارة هذه المصالح ...» وقال أيضا: «وباشر معي بعض التاريخ الذي عملته للديار المصرية في عدة مجلدات، وبعض رسائل جمعتها، وطبعت بمعرفته في جرنال روضة المدارس ...»

وقال محمد مجدي في ترجمة والده التي نشرها في مقدمة ديوانه أنهما - أي علي مبارك وصالح مجدي - أتما من هذا الكتاب: «ما يتعلق بالفراعنة والأكاسرة والبطالسة والرومانيين. ووصلا فيه في مدة الإسلام إلى سنة ستين ومائة بعد الألف من الهجرة، وبلغ ما جمع فيه من المجلدات نحو أربعمائة كراسة. وهو الآن لدى سعادة علي مبارك باشا ، والغالب أنه مهيأ للطبع ...» وقد ظن البعض أن المقصود بهذا الكتاب هو كتاب الخطط التوفيقية. غير أن الخطط تم طبعها في سنة 1304-1306ه/1886-1889م، وديوان صالح مجدي طبع في سنة 1911م، فكأن الكتاب الذي كان مهيأ للطبع في سنة 1911م هو غير الخطط قطعا، وخاصة أن موضوعه هو تاريخ مصر في مختلف العصور لا طوبغرافيتها. غير أني رجعت إلى قائمة المطبوعة التي ألفها كل من علي مبارك وصالح مجدي، فلم أجد من بينها كتابا في تاريخ مصر، فلعله لم يطبع.

هذا هو صالح مجدي، وهذا موجز عن جهوده، فقد قضى العمر كله يترجم ويؤلف حتى زادت ترجماته ومؤلفاته - كما يقول علي مبارك - «على خمسة وستين كتابا ورسالة».

أبو السعود وصالح مجدي علمان كما قلنا من أعلام خريجي الألسن، وهما خير نموذجين لهؤلاء الخريجين. وعلى مثالهما بذل إخوانهما الجهد في الترجمة والتأليف. ومن صنفهما: محمد عثمان جلال في ميدان الأدب، وقدري باشا في ميدان القانون.

وقد ربطت الحوادث بين هذين العلمين وبين أستاذهما رفاعة، فعملا معه في قلم الترجمة في عصري محمد علي وإسماعيل، واشتركا معه في تحرير روضة المدارس وفي ترجمة قانون نابليون. غير أنهما رغم هذا اختلفا الواحد عن الآخر في ميادين أخرى، فقد كان صالح مجدي أقرب إلى علي مبارك في دراساته وثقافته الرياضية والعسكرية، ولهذا تعاون في إنتاجه العلمي مع علي مبارك أكثر من تعاونه مع أستاذه رفاعة. ومع هذا فقد كان فضل رفاعة عليه كبيرا، فإن ثقافته الفرنسية والعربية التي تلقاها في مدرسة الألسن هي التي رشحته للعمل في قلم الترجمة في عهدي محمد علي وإسماعيل، وهي التي رشحته للعمل في مدرسة المهندسخانة في عهدي محمد علي وعباس. وثقافته القانونية في الألسن أيضا هي التي رشحته للعمل في ترجمة القوانين ثم لتولي وظيفة القضاء في عصر إسماعيل؛ لهذا كان مجدي أبر التلاميذ بأستاذه، فهو الوحيد من بين تلاميذ رفاعة الذي أرخ له بعد وفاته، فكتب عنه كتابه القيم - رغم صغره - «حلية الزمن بذكر مناقب خادم الوطن».

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد عليص ٣٢