تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان سعيد شديد العناية بجيشه؛ ولهذا عهد في أوائل سنة 1272ه/1855م إلى سليمان باشا الفرنساوي بإنشاء مدرسة حربية جديدة لإعداد ضباط يكونون أركان حرب للجيش. وأنشأ سليمان المدرسة وألحق رفاعة وكيلا له، وبعد قليل التمس سليمان باشا إحالته على المعاش فعين رفاعة ناظرا للمدرسة.

قد يبدو هذا التعيين غريبا، ولكن مبرراته أن رفاعة كان يحمل لقب أمير آلاي، فقد كان الموظفون جميعا مدنيين وعسكريين يمنحون الألقاب العسكرية في عهد محمد علي. وبهذا أصبح رفاعة - الشيخ سابقا والأمير آلاي حاليا - ناظرا للمدرسة الحربية بالقلعة. فماذا هو فاعل وثقافته دينية مذ كان يطلب العلم في الأزهر، أو مدنية مذ كان يطلب العلم في باريس؟

لقد أتقن رفاعة اللغتين العربية والفرنسية، وتخصص في فن الترجمة واشتغل بها، وكون جيلا من المترجمين هم خريجو الألسن، وكان يرجو أن يوفق في عهد سعيد أن يعيد للألسن عهدها، وأن يجمع تلاميذه حواليه فيستأنف نشاطه القديم ويترجم إلى العربية كنوز المعرفة الغربية. وها هي الأقدار تنصبه ناظرا للمدرسة الحربية.

لم ييأس رفاعة، بل رحب بالمركز الجديد، فقد كانت له صلة قديمة بالمدارس الحربية منذ كان مترجما بمدرسة الطوبجية بعيد عودته من باريس، وبدأ يستعين بمن معه من رجال الجيش، ولكنه سعى حتى صبغ المدرسة الجديدة بصبغة مدنية واضحة، وأقحم الدراسات التي يتقنها ويميل إليها في المنهاج إقحاما، فجعل دراسة اللغة العربية واجبة على الجميع، وترك للتلاميذ حرية اختيار إحدى اللغتين الشرقيتين: الفارسية والتركية، وإحدى اللغات الأوربية: الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

ولقد كان رفاعة يقصد بهذه المحاولات أن يحيي عهد مدرسته القديمة الحبيبة إلى نفسه: الألسن؛ فإنه لم يلبث بعد هذه الخطوات الأولى أن أنشأ بالمدرسة الجديدة فرقة خاصة للمحاسبة، ثم ألحق بها بعد قليل قلما للترجمة اختار لرياسته تلميذه القديم الذي تخصص في ترجمة الكتب الرياضية والحربية: السيد صالح مجدي بك.

قنع رفاعة بمركزه الجديد، واحتال كما رأينا حتى أضاف لمناهج الدراسة ما يرضي ميوله ورغباته، ثم لم يلبث أن أقبل على العمل بنشاطه القديم الذي عرفناه، فعهد إليه بنظارة مدرستي الهندسة الملكية والعمارة وتفتيش مصلحة الأبنية. ثم رأى أن النهضة العلمية لا يجب أن تعتمد على الترجمة وحدها، بل يجب أن تعتمد أيضا على إحياء المؤلفات القديمة ونشرها، فسعى حتى حصل على موافقة سعيد باشا. وصدرت الأوامر كما يقول علي مبارك «بطبع جملة كتب عربية على طرف الحكومة وعم الانتفاع بها في الأزهر وغيره، منها: تفسير الفخر الرازي، ومعاهد التنصيص، وخزانة الأدب، والمقامات الحريرية، وغير ذلك من الكتب التي كانت عديمة الوجود في ذلك الوقت ...»

وبهذا يكون رفاعة أول واضع لعمادين من عمد النهضة الثقافية الحديثة، وهما الترجمة والنشر. وسنرى فيما بعد أنه سيشارك أيضا في وضع العماد الثالث وهو التأليف ولكن في عهد إسماعيل.

وفي أوائل سنة 1278ه/أغسطس 1861م ألغيت هذه المدرسة الحربية، أي بعد خمس سنوات من إنشائها، وبعد أن بدأت تثمر وتؤتي أكلها، وكانت قد ظهرت كما يقول علي مبارك «نجابة تلامذتها واستفادتهم استفادة جيدة في أقرب وقت.» وهكذا أمسى رفاعة بلا عمل مرة أخرى، وظل كذلك نحو السنتين إلى أن ولي إسماعيل العرش في سنة 1863ه.

| رفاعة ناظر قلم الترجمة في عهد إسماعيل

في 7 مارس سنة 1861م فصل رفاعة من خدمة الحكومة بعد إلغاء المدرسة الحربية بالقلعة، وظل كذلك إلى أن ولي العرش إسماعيل، فبدأت تتجه إليه الأنظار من جديد.

كان إسماعيل يرمي من يوم أن تولى الحكم إلى إصلاح القضاء في مصر ليفل من حدة الأجانب؛ ولهذا بدأ يعد العدة لهذا الإصلاح بوضع المشروعات لترجمة القوانين الفرنسية، وإعداد المصريين الذين يصلحون لتولي مناصب القضاء الجديد. ولترجمة القوانين أنشئ قلم الترجمة الجديد. ولإعداد القضاة أنشئت مدرسة الألسن الجديدة.

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد عليص ٢١