قضى رفاعة في السودان نحو ثلاث سنوات قاسى فيها الأمرين، لا كرها في السودان، فهو القائل على لسان مصر والسودان:
نحن غصنان ضمنا عاطف الوج
د جميعا في الحب ضم النطاق
في جبين الزمان منك ومني
غرة كوكبية الإنفلاق
إنما آلمه في السودان شعوره بأنه منفي، وتألمه لما أصاب معظم زملائه من مرض ووفاة، وخاصة بيومي أفندي صديقه في باريس ومصر، ووفيه في الجهاد العلمي، وصاحبه في السراء والضراء؛ يؤيد هذا قوله في قصيدته السابق الإشارة إليها:
وحسبي فتكها بنصيف صحبي
كأن وظيفتي لبس الحداد
ومع ذلك فقد تذرع هناك بالصبر والإيمان، وقام بواجبه في مدرسة الخرطوم خير قيام، وتخرج على يديه بعض أبناء مصر والسودان. وقد بث شكواه في قصائد كثيرة تعد من أجل ما قال من شعر. ولم ينس أخيرا عمله الذي أحبه وأخلص له، وهو الترجمة، فشغل وقت فراغه بترجمة قصة «تليماك» التي طبعها أحد تلاميذه فيما بعد في بيروت بعنوان «مواقع الأفلاك في وقائع تليماك»، وقد أشار في مقدمتها إلى ما كان يحس وهو في منفاه من ألم ممض وكيف استعان على تحمل هذا الألم باشتغاله بترجمة هذا الكتاب، قال: «وإنما فقط لما توجهت بالقضاء والقدر إلى بلاد السودان، وليس فيما قضاه الله مفر، أقمت برهة خامد الهمة، جامد القريحة في هذه الملمة، حتى كاد يتلفني سعير الإقليم الغائر بحره وسمومه، ويبلعني فيل السودان الكاسر بخرطومه ... فما تسليت إلا بتعريب «تليماك»، وتقريب الرجاء بدور الأفلاك ...»
| أمير الآلاي رفاعة بك
ناظر المدرسة الحربية بالقلعة
في 20 شوال سنة 1270ه/يوليو 1854م تولى سعيد باشا عرش مصر، فأسرع رفاعة ورفاقه بالعودة إلى مصر. وسرعان ما تكررت الرواية القديمة؛ فكما أن عباسا عند توليه الحكم قد أبعد رفاعة إلى السودان وقرب إليه علي مبارك وعينه ناظرا لمدرسة المهندسخانة وعهد إليه بالإشراف على شئون التعليم، كذلك بدأ سعيد فأرسل علي مبارك ليكون قائدا من قواد الحملة المصرية إلى القرم وقرب إليه رفاعة وحباه بعطفه.
بدأ رفاعة يرسم لنفسه الخطط ويعقد الآمال العريضة. ونظم في هذه الفترة القصائد الكثيرة يمدح بها سعيدا ويشيد بصفاته وعهده. غير أن سعيدا لم يلبث أن أصدر أوامره في 10 ربيع الأول سنة 1271ه بإلغاء ديوان المدارس وتصفية حساباته.
ومع هذا لم ييأس رفاعة، فقد كان إلى جانبه عظيم من عظماء العهد المحمدي العلوي: هو إبراهيم أدهم بك ناظر ديوان المدارس (في عهد محمد علي). وكان هذا الرجل قد وضع في أواخر عهد محمد علي مشروعا لنشر التعليم بين عامة أفراد الشعب المصري، وهو مشروع «مكاتب الملة»، فلما تولى عباس الأول الحكم أبعد أدهما فيمن أبعد. وفي عهد سعيد بدأ أدهم يعيد النظر في مشروعه، وأشرك معه رفاعة في إعادة تنظيمه وتنقيحه، ثم تقدم به إلى الوالي الجديد سعيد باشا، واقترح كما يقول الدكتور عزت عبد الكريم «تعيين رفاعة بك ناظرا عاما على هذه المكاتب على أن يلحق به مترجمون لإتمام ترجمة كتاب ملطبرون الذي تمت ترجمة أجزاء منه في عهد محمد علي، وغيره من الكتب الصالحة ...»
1
ولكن يبدو أن سعيدا لم يكن يؤمن بفائدة هذا المشروع، كما أنه كان مشغولا في ذلك الحين بأمور يراها أكثر أهمية من مشروع مكاتب الملة كقناة السويس، وإصلاح الجيش، وبناء القلعة السعيدية ... إلخ.
ومرت الأيام والشهور ورفاعة ينتظر دون أن يعهد إليه بعمل ما، فبدأ يحس الضيق ماديا ومعنويا. وأخيرا تقدم إلى الحكومة بالتماس يرجو فيه أن يعين هو وتلميذه القديم خليفة أفندي محمود في أي مصلحة من المصالح وأن يعهد إليهما بترجمة الكتب النافعة. غير أن سعيدا كان كثير التنقل - ومعه فرق من جيشه - في أنحاء مصر المختلفة، فلم يجد الوقت الكافي للنظر في مثل هذا الاقتراح والبت فيه.