تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنشئ قلم الترجمة الجديد في أوائل عهد إسماعيل، وعين رفاعة بك ناظرا له، فاختار معاونيه في العمل جماعة من تلاميذه القدماء خريجي مدرسة الألسن القديمة، هم: عبد الله بك السيد، والسيد صالح مجدي أفندي، ومحمد قدري أفندي، ومحمد لاظ أفندي، وعبد الله أبو السعود أفندي. واستقر هذا القلم في غرفة من غرف ديوان المدارس، وبدأ أعضاؤه يتوفرون على العمل والإنتاج، وبدأوا بالقانون الفرنسي

Code . وبعد أشهر قليلة أتموا جهدهم الأول وهو «المقالة الأولى من القانون المدني» في خمسمائة وخمسة عشر بندا فرفعوها إلى الخديو إسماعيل باشا.

وزع هذا القانون الفرنسي على المترجمين بقلم الترجمة، فترجم القانون المدني السابق الذكر رفاعة بك بالاشتراك مع عبد الله السيد بك وأحمد حلمي أفندي وعبد السلام أفندي، ثم ظهرت أجزاء القانون الأخرى تباعا بعد إتمام ترجمتها على الترتيب الآتي:

قانون المحاكمات والمخاصمات في المعاملات الأهلية المعتادة، وترجمه عبد الله أبو السعود أفندي وحسن فهمي أفندي.

قانون الحدود والجنايات، ترجمه العلامة محمد قدري باشا.

قانون (المشيخة البلدية)، ترجمه محمد لاظ أفندي (في 3 مجلدات)، وقد طبعت هذه المجلدات جميعا في بولاق بين سنتي 1283ه و1285ه.

كان هذا هو العمل الأساسي لقلم الترجمة الجديد؛ ولهذا لا تجد له أثرا آخر غير هذا الأثر القانوني؛ ولهذا أيضا نلاحظ أن هذا القلم قد خضع لتطورات كثيرة فكانت الأوامر تصدر تباعا بنقل مترجميه إلى أعمال أخرى. وكان رفاعة يحس أثر هذه التصرفات الغريبة فيتألم ويشكو، ففي سنة 1864م نقل المترجمان محمد لاظ وسيد مجدي والمبيضان محمد بهائي ومحمد أمين إلى قلم الترجمة بالمعية. وبعد قليل ألحق بالقلم بدوي بك فتحي (نجل رفاعة بك) بعد أن تخرج في المدرسة الحربية ورقي إلى رتبة اليوزباشي.

ثم لم يلبث أن نقل عضو من أهم أعضاء القلم وهو عبد الله السيد بك إلى عضوية مجلس الأحكام، فازداد قلم الترجمة بذلك ضعفا على ضعف.

وفي هذا الحين اقترح «ميرشير بك» ناظر المدارس الحربية إنشاء قلم للترجمة ملحق بهذه المدارس لترجمة الكتب العسكرية. غير أن ديوان المدارس لم يوافق على اقتراحه بل أشار بتقوية قلم الترجمة الموجود وإمداده بالمترجمين، فعين محمد أفندي أنسي (نجل عبد الله أبي السعود أفندي) مترجما به؛ وذلك ليتمكن القلم من ترجمة ما يرسل إليه من الكتب الحربية.

وهكذا كان العمل يزداد بالقلم، فقد كان المترجمون يعملون على ترجمة القوانين الفرنسية، والدستور العثماني، والجريدة العسكرية، وحسابات البعثة المصرية بباريس. كما كان أحد مترجميه - وهو محمد رشدي أفندي - يقوم بترجمة كتاب رفاعة بك في تاريخ مصر إلى اللغة التركية.

1

كان يقوم بهذا الجهد الشاق خمسة من المترجمين غير رفاعة بك، ثم طلب إليه أن يعمل على إتمام الأجزاء التي لم تترجم من جغرافية ملطبرون. وكان من المنتظر أن يرحب رفاعة بهذا الطلب، ولكنه ضاق به وضج بالشكوى، وأرسل يعتذر لأن القلم لم يبق به غير ثلاثة مترجمين هم أبو السعود وصالح مجدي وحسن الجبيلي.

وهكذا كان القلم يزداد ضعفا يوما بعد يوم لقلة المترجمين؛ ولهذا كان كلما أحيل إلى القلم عمل جديد بادر رفاعة بالاعتذار عن أدائه. فقد حدث أن أحيلت إليه بعض اللوائح والإرشادات الصحية لترجمتها فردها رفاعة معتذرا بكثرة ما بها من المصطلحات الطبية مقترحا إحالتها إلى مدرسة الطب.

ومن الواجب هنا أن نناقش الأسباب التي أدت إلى إضعاف هذا القلم رغم ما كان يعقده عليه رفاعة من آمال. وأهم هذه الأسباب فيما نرى أن الغرض الأساسي الذي دفع الحكومة لإنشائه كان هو ترجمة القوانين الفرنسية فلما تمت ترجمة هذه القوانين قلت عناية الحكومة بالقلم.

أما السبب الثاني - ولعله أهم وأقوى من السبب الأول - فيتلخص في أن قلم الترجمة الجديد لم تقم إلى جانبه المدرسة التي تمده بالمترجمين الصالحين كما كان الحال في عهد محمد علي. حقيقة لقد أنشئت في عهد إسماعيل مدرسة للألسن ولكنها كانت تختلف اختلافا كبيرا عن سابقتها في عهد محمد علي.

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد عليص ٢٢