هذا ما كان يعمله الأهلون والصبية والنساء، فماذا فعل توفيق؟ وأين كان؟
لقد كان توفيق يقيم أثناء الضرب في سراي مصطفى باشا بالرمل، ويقيم معه بعض الأجانب وبعض الأمراء ونفر من الخائنين من أمثال سلطان باشا، فلما انتهى الضرب أرسل إلى «سيمور» يستأذنه في الانتقال إلى سراي رأس التين فسمح له، ومنذ تلك اللحظة انضم توفيق إلى الإنجليز انضماما سافرا.
ولن أطيل في ذكر تفاصيل الحوادث التالية، فقد قاوم العرابيون في البحيرة ثم في الشرقية، ولكن النتيجة الحتمية كانت معروفة منذ وطئت أقدام الإنجليز أرض الإسكندرية.
بدأ الاحتلال الإنجليزي إذن في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1882، وأعلن الإنجليز منذ اللحظة الأولى، أنهم لن يبقوا في مصر طويلا، وأنهم إنما جاءوا لينصفوا الخديو ويحموه من الثائرين، وأنهم بعد قليل سيرحلون، وتكررت تصريحاتهم ووعودهم في هذا المعنى، ولكن المصريين لم يخدعوا بهذه الفرية أو بهذه الوعود، ولم يعترفوا بهذا الاحتلال لحظة واحدة، بل ركزوا جهودهم لمقاومة البريطانيين والعمل على طردهم.
ولقد حاكم الإنجليز عرابي وصحبه ونفوهم خارج مصر، وسرحوا الجيش ليقلموا أظفار البلد، وتعاون الحكام والإقطاعيون مع المحتلين على إسكات كل صوت، وإضعاف كل قوة، وإذلال كل عزيز.
جهاد طويل في سبيل الحرية
ولكن هل يستكين هذا الشعب الأبي لهذا الظلم وهذا المستعمر الغاصب؟ كلا؛ فالشعب المصري كما عرفناه دائما شعب دافق الحيوية، موفور الوطنية، قد يحني الرأس أمام العاصفة، ولكنه لا يستكين ولا يلين، فلم تلبث الدعوة الوطنية أن انبثقت بعد سنوات قليلة، وعلى لسان شاب يافع صغير السن، أعزل من كل سلاح مادي، ولكنه كان يناضل بروحه وقلبه ولسانه وقلمه، هذا هو الزعيم الوطني الكبير مصطفى كامل، كان منذ أيام دراسته يرى ويتألم، ويفكر ويعمل ويكتب، لقد أنشأ وهو بعد تلميذ مجلة «المدرسة» وجعل شعارها: «حبك مدرستك، حبك أهلك ووطنك»، وكم كانت له من مواقف وهو في عهد التلمذة للدفاع عن الحق ورفع الظلم.
ثم حملته روحه القوية إلى فرنسا ليتم تعليمه بها، وحصل هناك في سنة على ما لم يحصله غيره في سنوات، واتصل بالصحف والكتاب، وبدأ يكتب في الدفاع عن حق مصر وحريتها واستقلالها، ويهاجم المحتلين الإنجليز، وظل حياته كلها مجاهدا يتنقل بين مصر وبلدان أوروبا خطيبا وكاتبا، منددا بأعمال المحتلين ومناديا بالجلاء، وبحق مصر في الاستقلال، ينشئ الصحف باللغة العربية وباللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويدبج المقالات، ويعقد الاجتماعات، ويثير الشعور، ويبعث النفوس، يهدف بهذا كله إلى إعادة الروح إلى هذا الشعب المجيد.
وكانت ضربته القوية هي التي وجهها إلى إنجلترا بعد حادثة دنشواي البربرية، فألب الدول جميعا على إنجلترا إلى أن اضطرت اضطرارا إلى سحب عميدها الخطير صاحب الكلمة الأولى في مصر وقتذاك وهو «لورد كرومر».
وقبيل وفاته أسس الحزب الوطني، وألقى خطبة الوداع، وكل كلمة فيها آية من آيات الوطنية.
وتولى زعامة الحركة بعده بطل الفداء والتضحية محمد فريد، فسار على نهج الزعيم الأول، وضحى في سبيل الحركة بكل ما يملك من مال، بل بصحته وحياته، فمات في أوروبا عليلا غريبا عن الوطن الذي يحبه ويتفانى في خدمته.
وكانت ثورة سنة 1919 الثمرة الحقيقية لحركة مصطفى كامل، وأذقنا في خلالها المستعمرين ألوان العذاب والمقاومة، وحمل لواء النضال سعد زغلول، وقاد المصريين خطوات في طريق الحرية إلى أن انحرفت إنجلترا بمصر عن الطريق القويم ودخلت بها في متاهة المفاوضات، إلى أن كانت معاهدة 1936 التي سميت يوما من الأيام بمعاهدة الشرف والاستقلال.
ثم تطورت الأحوال من سيئ إلى أسوأ حتى ران اليأس على نفوس الكثيرين، وحسب بعض الغافلين أن لا أمل في يقظة أو إصلاح، ولكن الحيوية الدافقة والوطنية المستكنة في هذا الشعب الخالد لم تلبث أن انفجرت في يوليو سنة 1952 في شكل ثورة تعود بالوطنية المصرية إلى أصولها الحقيقية.