تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستطرد مسيو نينيه فيصف بطولة المصريين في دفاعهم فيقول:

ومع ذلك فما كان أبدع هذا المنظر، منظر الرماة المصريين الذين كانوا قائمين على مدافعهم وهي مكشوفة في العراء وكأنما هم في استعراض حربي لا يرهبون الموت الذي يكتنفهم؛ إذ لم يكن لهم دروع واقية ولا متاريس، وكانت معظم الحصون بلا ساتر، ومع ذلك فهؤلاء الشجعان من أبناء النيل كنا نلمحهم وسط الدخان الكثيف، كأنهم الأبطال الذين سقطوا في حومة الوغى ثم بعثوا ليكافحوا العدو من جديد ويستهدفوا لنيران مدافعه، وكان الأئمة يزورون الحصون ويشجعون المقاومة، وقام الجميع بواجبهم من جند ورجال ونساء وصغار وكبار، ولم يكن ثمة أوسمة ولا مكافآت تستحث أولئك الفلاحين على أداء واجبهم، بل إن عاطفة الوطنية والثورة على الفظائع التي استهدفوا لها كانت تستثير الحماسة في صدورهم، وهم هم أولئك الشجعان المجهولون الذين لم يفكر أحد في آلامهم.

وفي منتصف الساعة السادسة مساء عجزت حصون الإسكندرية عن الاستمرار في المقاومة فسكتت، وأعطى الأميرال «سيمور» أوامره بالكف عن الضرب.

تخريب الإسكندرية

ولم يصب التخريب الحصون والقلاع وحدها، بل أصاب معظم أحياء المدينة، فأصبحت بعد المعركة مجموعة من الخرائب المهدمة، وكم كان «سيمور» نبيلا حين أبدى في تقريره أسفه لما أصاب المدينة، قال:

وأراني متأسفا لاضطراري أن أخبركم أن مدينة الإسكندرية أصيبت بأضرار بالغة من الحريق والنهب.

ومن الذي سبب الحريق؟

إنها قذائف الأسطول.

ومن الذي سبب النهب؟

إنه الاحتلال البريطاني وجنوده.

إن الأميرال لم يف بوعده ويقصر الضرب على القلاع والحصون، بل لقد وجهت قذائف الأسطول إلى كل ناحية من أنحاء المدينة، فحرقت البيوت وقتلت الأهلين الآمنين. وصف هذا الاعتداء البعيد عن الإنسانية المسيو «نينيه» في كتابه سالف الذكر، قال:

وأقفلت الدكاكين والنوافذ والأبواب والبيوت في المدينة كلها، وخيل إلي أنني في بلدة قضي عليها بالخراب النهائي، وكانت قنابل الأسطول الضخمة تنهال على المدينة وتخترق أحياءها في كل جهة، وتدور فوق رءوسنا وهي تدوي دويها المفزع، فكانت تدمر المنازل في ناحية وتشعل النيران في ناحية أخرى، وترسل الموت في كل مكان، وقد مرت فوق رأسي خمس قذائف من «رسائل الإنسانية الغربية» على حد تعبير أحد الضباط، علي سطح المنزل الذي كنت أقيم فيه تجاه حمامات (كارتوني) بالقرب من محطة الرمل، فأصابت إحداها مدرسة فدمرتها، وأصابت ثلاث أخرى بعض المنازل من قصور الأغنياء بالقرب من شارع باب شرقي فخربتها، والخامسة قتلت أحد عشر شخصا وجوادين بأول شارع محرم بك، ولم يكن لهذه القذائف القتالة التي أصابت قلب المدينة ما يقابلها من جانب المصريين، فإن عرابي قد ارتأى منعا للدمار ألا تشترك قلعتا كوم الناضورة وكوم الدكة في الضرب لوجودهما وسط المدينة ... إلخ.

ولم ينفرد الضباط والجنود المصريون ببطولة الدفاع في هذا اليوم، وإنما شاركهم في هذه البطولة أهالي الإسكندرية، ولأهالي الإسكندرية في تاريخ الوطنية المصرية صفحات مجد مشرقات، فقد تطوع السكندريون وقدموا ما استطاعوا من معونة وخدمات للجند المحاربين، شهد بهذا الشيخ محمد عبده حين قال:

فكان الرجال والنساء تحت مطر الكلل ونيران المدافع ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأميرال «سيمور» ومن أرسله.

وأكد هذا عرابي فقال في مذكراته:

وفي أثناء القتال تطوع كثير من الرجال والنساء في خدمة المجاهدين ومساعدتهم في تقديم الذخائر الحربية وإعطائهم الماء وحمل الجرحى وتضميد جروحهم ونقلهم إلى المستشفيات.

وقال محمود باشا فهمي في كتاب البحر الزاخر:

ورأيت في ذلك الوقت بعيني ما حصل من غيرة الأهالي بجهة رأس التين وأم كبيبة وطوابي باب العرب، وهمتهم في مساعدة عساكر الطوبجية، من جلبهم المهمات والذخائر وخراطيش البارود والمقذوفات، هم ونساؤهم وأولادهم وبناتهم، والبعض من الأهالي صار يعمر المدافع ويضربها على الأسطول.

قصة الاحتلال · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصة الاحتلالص ١٥