تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثورة سنة 1952

وقد فهمت ثورة 1952 التاريخ المصري الحديث فهما صحيحا، فقدرت أن المحتل لا بد له من عمد يرتكز إليها لترسخ في البلاد أقدامه، هذه العمد تتمثل في الجالس على العرش يضحي بكل شيء في سبيل متعته وفي سبيل الإبقاء على هذا العرش وسلطانه، وتتمثل في جماعة من نهازي الفرص لا هم لهم إلا الغنى والاستزادة من الثروة بأي سبيل، حتى ولو تعارض هذا السبيل مع مصلحة الشعب والبلد، بل ولو تعارض هذا السبيل مع المبادئ والمثل والشرف.

فكانت خطة الثورة خطة حكيمة، تتلخص في التخلص من هذا الجالس على العرش، العابث بشرف الوطن، والتخلص من هؤلاء الإقطاعيين النهازين، لتعود للشعب إنسانيته، وللوطن كرامته.

أما الهدف الثاني للثورة فهو وضع سياسة إنتاجية إصلاحية عامة تعمل لرفع مستوى الشعب اقتصاديا وثقافيا وصحيا.

وأما الهدف الأخير، هدفنا جميعا، وأمنية الأجيال المتتابعة فهو إخراج المحتل من أرض القنال؛ لتتطهر أرض الوادي جميعا من هذا الدنس الذي ظل عالقا بها هذه السنوات الطوال. وقد كانت الإسكندرية أول مدينة احتلها جنود العدو، وشاء القدر العادل أن تكون أول مدينة تجلو عنها جنود العدو، ففي فبراير 1947 جلا الإنجليز عن ثكنات مصطفى باشا وعن قلعة كوم الدكة، وفي مارس من نفس السنة جلوا عن ثكناتهم بالقاهرة. وها نحن أولاء نحتفل بتحقيق الهدف الأكبر وهو جلاء العدو عن آخر معقل له في أرض القنال.

أيها المصريون الأمجاد

لقد كانت هذه أمنية أجدادكم وآبائكم، التي ظلوا يجاهدون في سبيل تحقيقها السنين الطوال، والتي بذلوا في سبيلها الأرواح، وعلى الطريق المؤدي إليها كم من دموع سكبت! وكم من دماء أريقت! وكنتم أنتم السعداء أن قدر لكم أن تحيوا في عصر هذه الثورة الطاهرة الموفقة، وأن تشاركوا في حصاد أمجادها، وخير أمجادها استعادة الحرية المسلوبة.

العيد الأكبر

عيد الأعياد، عيد الحرية والجلاء

فاليوم عيدنا الأكبر.

اليوم عيد الأعياد.

اليوم العيد الحقيقي نحس له في نفوسنا فرحة ليس كمثلها فرحة.

وكم مرت بنا في الماضي أعياد كانت هي والمآتم سواء، فلم يكن يحس بها إنسان أو يفرح لمقدمها إنسان؛ فبعضها كان عيدا للجالس على عرشه، وبعضها كان عيدا لاستقلال مزعوم.

أما اليوم، 18 يونيو سنة 1956، فهو عيد الحرية الحقيقي، تجب له قلوبنا، وتهتز لمقدمه أرواحنا، وتستبشر بحلوله وجوهنا.

فافرحوا أيها المصريون كما لم تفرحوا من قبل، وأعلنوا عن فرحتكم الكبرى، وغنوا أغاني الحرية، ورددوا أهازيج الاستقلال، وأنشدوا أناشيد العزة والكرامة.

خريطة مدينة الإسكندرية (لبيان مواقع الحصون وموقف سفن الأسطول البريطاني).

ثم ...

ثم لا تنسوا وأنتم في غمرة فرحتكم الكبرى أن تذكروا الشهداء من جنودكم وأبطالكم وزعمائكم الذين رووا هذا الغرس الذي تجنون ثماره، بدموعهم وعرقهم ودمائهم.

أسكتوا أغانيكم اليوم لحظة.

وأوقفوا أفراحكم اليوم هنيهة.

واذكروا هؤلاء الأبطال الأمجاد الذين سبقوكم بالإيمان والكفاح والتضحية والفداء.

ففي هذه الذكرى بعض الوفاء لمن يجب لهم الوفاء.

ثم ...

ثم لا تنسوا وأنتم في غمرة فرحتكم الكبرى أن تشكروا.

أن تشكروا رجال الثورة وفي مقدمتهم صانع الثورة وبطل الجلاء جمال عبد الناصر.

إنهم فتية آمنوا بربهم وبوطنهم في وقت اشتد فيه الظلم وساد فيه الظلام، فوضعوا رءوسهم على أكفهم، وتقدموا لمحاربة قوى الشر جميعا، فأعزهم الله ونصرهم، وأعز مصر كلها ونصرها بنصرهم.

إنه واجب الشكر لمن يستحقه.

وإنه واجب العرفان بالجميل.

وأنتم أيها المصريون من أعرف شعوب الأرض بالجميل.

فأسكتوا أفراحكم اليوم لحظة، وأوقفوا أغانيكم اليوم هنيهة، لتحيوا جمالا، لتحيوا البطولة والمثل العليا، لتحيوا الأمل المشرق والمستقبل الباسم.

ثم ...

ثم لا تنسوا، وأنتم في غمرة فرحتكم الكبرى، أن تذكروا فضل الله عليكم.

قصة الاحتلال · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصة الاحتلالص ١٧