إن جنود المدفعية المصرية جاوبوا نيران الأسطول الإنجليزي الجهنمية مجاوبة مدهشة غير متوقعة البتة، وأظهروا بسالة عجيبة رغم التفاوت الجسيم بينهم وبين الإنجليز من ناحيتي عدد المدافع وعيارها.
واتجهت بوارج الأسطول بعد ذلك إلى حصن الأطة، وصوبت خمس مدرعات كبيرة مدافعها نحو هذا الحصن.
وكان القائد المصري لهذا الحصن مثالا نادرا للبطولة، فقد لبث إلى جانب العلم يدير المعركة في العراء بشجاعة عجيبة إلى أن أصابته قذيفة أطارته أشلاء متناثرة في الفضاء، ومن المؤسف حقا أن اسم هذا البطل ضاع مع معالم المعركة، فلا يستطع مؤرخو الاحتلال - على كثرتهم - العثور عليه، وليتنا في المستقبل نوفق لمعرفته لنعمل على تخليد ذكراه.
شاهد القائد الإنجليزي «وولتر جودسول
Walter Goodsall » قومندان الباخرة
Chiltern
إحدى سفن شركة التلغراف الشرقية
Eastern Telegraph
مقاومة هذا الحصن ودفاع قائده، وأعجب بهما، قال:
لقد عجبت من هذه البطولة التي لا يمكنني أن أدرك حقيقتها، تلك البطولة التي كان يتحلى بها الجنود الذين يطلقون مدافع حصن الأطة، كما أعجبت كل الإعجاب بموقف قائد هذا الحصن قرب سارية علمه وهو قائم وحده والمنظار في يده يراقب الآثار التي تركتها القذائف في الحصن.
لقد كان هذا القائد في الحقيقة رجلا شجاعا لا يعبأ بعدد المقذوفات التي كانت تنهمر على حصنه ... ثم أخذت البارجة «انفلكسيبل» تصوب مدافعها الضخمة نحو هذا الحصن إلى أن دكت أسسه ودمرته تدميرا، وفي منتصف الساعة الثانية بعد الظهر صوبت قنبلة إلى مستودع البارود بالحصن وأصابته فانفجر، ولا بد أن كثيرا من الجنود قد قتلوا، فإن عددا كبيرا منهم طار في الفضاء، وكذلك الضابط الباسل الذي كان واقفا كالأسد في عرينه طار في الهواء هو وسارية علمه.
وبعد تحطيم هذا الحصن اتجهت البوارج الإنجليزية إلى بقية الحصون الأخرى، وقاومت الحصون جميعا مقاومة عنيفة لا تقل بطولة عن مقاومة حصن الأطة، وأثبت الضباط والجنود المصريون من المهارة في القتال ما أثار إعجاب الإنجليز أنفسهم، كان الماجور «تلك
Tullock » أحد رجال المخابرات على ظهر السفينة انفنسيبل أثناء ضربها لحصن المكس، وقد قال في ص27 من كتابه
Recollections of Forty Years Service :
لقد كان مما يثير عجبي حقيقة أن أرى هؤلاء الجنود - رغم عنف الضرب - واقفين في أماكنهم حريصين على ملازمة مدافعهم، وكنت أرى في أكثر من مرة قذيفة من قذائفنا تدخل في إحدى كوات مدافعهم، وكنت أقول لنفسي: هذا المدفع قد انتهى وأصبح في حيز العدم، ولكنني كنت أعود فأقول: كلا ثم كلا؛ لأن هذا المدفع بالذات كان لا يلبث أن يعود لإطلاق قذائفه في الوقت المناسب، وقد أتت قذائف أحد المدافع المصابة مرة بسرعة فائقة جدا حتى إنني لم أتمالك نفسي، ووثبت إلى حافة السفينة، ورفعت يدي صائحا: لقد أجدت العمل أيها الجندي المصري.
أما الأميرال «سيمور» نفسه فقد قال في ختام تقريره عن المعركة:
ولقد قاتل المصريون قتال الأبطال بأقدام ثابتة، وكانوا يجاوبون النيران الشديدة التي تصبها على حصونهم مدافعنا الضخمة إلى أن قتل عدد كبير منهم.
ولقد شهد المعركة المسيو «جون نينيه» عميد الجالية السويسرية في مصر سنة 1882 ووصفها في كتابه «عرابي باشا»، قال:
يجب أن نعترف بأن هذه مجزرة همجية لا ضرورة لها، ولم يكن لها أي مسوغ، وليس الباعث عليها سوى الشهوة الوحشية المتعطشة إلى القتل وسفك الدماء، ولقد كان بودي أن أسائل أولئك الضباط الذين كانوا يباشرون الضرب ويقذفون قنابل المتراليوزات، هل يستطيعون حينما يعودون إلى بلادهم ويجلسون حول موائد الشاي في بيوتهم أن يتحدثوا إلى ذويهم عن آثار الفتك والتدمير التي خلفتها تلك المجازر البشرية؟ إني أشك في ذلك، فليت شعري أي إهانة لحقت الأمة البريطانية حتى تثأر لنفسها بهذه الفظائع ...؟!