تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واجتمع مجلس كبير في رأس التين حضره توفيق ودرويش والنظار والقواد والأعيان، واختلفت الآراء، وكان من بينها ما يريد قبول الإنذار، ولكن بعد مناقشات طويلة قرر المجتمعون أن يرسلوا الرد التالي إلى «سيمور»، وهو رد مشرف، نرى أن نثبته هنا بحروفه؛ فهو وثيقة شرف لآباء لنا، أبوا - رغم قوة العدو وتفوقه حربيا - قبول الضيم، أو التهاون في الدفاع عن حقوقهم وحقوق الوطن عليهم. وفيما يلي نص الرد:

لم تعمل مصر شيئا يقضي بإرسال هذه الأساطيل المتجمعة، ولم تعمل السلطة المدنية ولا السلطة العسكرية أي عمل يسوغ مطالب الأميرال إلا بعض إصلاحات اضطرارية في أبنية قديمة، والطوابي الآن على الحالة التي كانت عليها عند وصول الأساطيل، ونحن هنا في وطننا وبيتنا، فمن حقنا بل من الواجب علينا أن نتخذ عدتنا ضد كل عدو مباغت يقدم على قطع أسباب الصلات السلمية التي تقول الحكومة الإنكليزية إنها باقية بيننا.

ومصر الحريصة على حقوقها، الساهرة على تلك الحقوق وعلى شرفها لا تستطيع أن تسلم أي مدفع ولا أية طابية دون أن تكره على ذلك بحكم السلاح.

فهي لذلك تحتج على بلاغكم الذي وجهتموه اليوم، وتوقع مسئوليات جميع النتائج المباشرة وغير المباشرة التي تنجم إما عن هجوم الأساطيل أو عن إطلاق المدافع، على الأمة التي تقذف في وسط السلام القنبلة الأولى على الإسكندرية، المدينة الهادئة، مخالفة بذلك لأحكام حقوق الإنسان ولقوانين الحرب.

وأيضا تقرر من باب المسالمة قبول إنزال ثلاثة مدافع يختارها الأميرال، وإذا أبى وأصر تلقى عليه مسئولية التعدي، وذلك بعدم المجاوبة إلا بعد إطلاق القنبلة الخامسة.

وحمل هذا الرد ضابطان مصريان إلى البارجة الانفنسيبل فجر يوم 11 يوليو، ولكن الجواب الطبيعي كان الرفض، وكان الإنجليز كراما فانتظروا حتى حمل الضابطان المصريان الرد ووصلا به إلى البر، ثم أعطوا الإشارة بإطلاق النار.

هل حقيقة أن هذه الاستعدادات الحربية كانت تهدد الأسطول البريطاني؟ أحسبني لست في حاجة إلى دحض هذه الفرية، ولكنني مع هذا أقتبس هنا ما قاله محام إنجليزي كان يعيش في الإسكندرية في ذلك الوقت وشهد هذه الوقائع بنفسه، قال هذا المحامي مستر «رويل

Royle » في صفحه 63 من كتابه «المواقع المصرية

The Egyptian Campaigns » تعليقا على إنذار «سيمور» النهائي:

إن الخطر الذي كانت تستهدف له بوارج الأميرال نتيجة للاستعدادات المصرية، لم يكن إلا خطرا وهميا في ذلك الوقت، ولو فرضنا أنه كان خطرا حقيقيا لكان في الإمكان تفاديه والبعد عنه إذا غير الأميرال موقف سفنه تغييرا طفيفا.

وفي الساعة السابعة من صباح يوم 11 يوليو سنة 1882 أمر القائد المغوار الأميرال «سيمور» بضرب الإسكندرية، وأرسلت السفينة «ألكسندرا» أول قذيفة إلى حصن الأسبتالية ثم تبعتها بقية البوارج والسفن، ولكن الطوابي المصرية لم تجاوب الضرب إلا بعد الطلقة العاشرة، والبعض الآخر بدأ بعد الطلقة الخامسة عشرة.

معركة غير متكافئة

ثم بدأت المعركة ولم تكن - بشهادة كل من كتب عنها - معركة متكافئة؛ فقد كانت مدافع الأسطول البريطاني أحدث وأقوى وأمتن، وكانت قذائفها أثقل وزنا وأبعد مرمى، أما قلاع الإسكندرية فلم تكن في حالة طيبة، وكانت كلها ما عدا طابية قايتباي قلاعا مكشوفة، أي أن الجنود كانوا يطلقون قذائفهم في العراء، لا تحميهم حوائط أو أسوار.

ورغم هذا فقد قاومت هذه الحصون في أول الأمر مقاومة عنيفة لم يكن أحد يتوقعها، مما اضطر البوارج الإنجليزية إلى تغيير خطتها، فألقت مراسيها على بعد محدد، وأخذت تلقي قذائفها من هذا البعد، واستطاعت أن تحدد أهدافها بعد أن كانت تتحرك أثناء الضرب، وبذلك استطاعت في منتصف الساعة الواحدة بعد الظهر أن تسكت حصون رأس التين، والفنار، والاسبتالية، بعد مقاومة باسلة وصفها القومندان «جودريتش» بقوله:

قصة الاحتلال · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصة الاحتلالص ١٣