3
الشيخ أحمد مليئة بالأدلة والمناقشات التي يهاجم فيها فكرة وحدة الوجود، والتي يدعو فيها لفكرة وحدة الشهود، وبهذا نستطيع أن نقول: إن هذه الفكرة تعتبر بحق الشيء الجديد الذي قدمه الشيخ المجدد لعالم الفكر الإسلامي الديني. (3-8) جهود الشيخ أحمد في إصلاح المجتمع الإسلامي في الهند
لم تقصر جهود الشيخ على هذا، بل لا بد أن نذكر له مساعيه الحميدة لإصلاح شأن الحكومة ورجالها؛ فقد كان يعتقد أنهم القدوة، إذا صلحوا صلحت الرعية والبلاد كلها، وإذا فسدوا فسد المجتمع الذي يقومون على شئونه، كذلك كان الشيخ المجدد يعتقد أن الكثير من الفساد القائم يرجع أسبابه إلى العلماء الذين تهافتوا على الدنيا وعلى إرضاء السلطان؛ ولهذا بذل الكثير من جهوده لمحاربة هذا الصنف من العلماء، ومناهضة بدعهم والرد عليها.
ولقد كانت حركة أحمد سرهندي في الواقع عميقة الأثر في المجتمع الهندي الإسلامي؛ فقد تأثر بها الكثيرون بعده، وكانت ممهدة لحركة تجديدية أخرى قام بها مجدد ثان في القرن الثامن عشر، هو العالم الهندي الكبير شاه ولي الله دهلوي. (3-9) حركة عبد الحق دهلوي
وبين الحركتين ظهرت جهود أخرى سارت في نفس الطريق:
منها جهود الشيخ عبد الحق دهلوي (958-1052ه/1551-1642م)، وقد عاصر الشيخ المجدد بعض الوقت، ولكنه توفي بعده بنحو ثمانية عشر عاما، وقد عني الشيخ عبد الحق أكثر ما عني بإحياء السنة النبوية ودراسة علم الحديث، وألف في هذا العلم كتبا كثيرة، وشرح «مشكاة المصابيح» للتبريزي بالعربية والفارسية معا، فهو بهذا يعتبر أول عالم وقف جهوده في شمال الهند على نشر السنة النبوية وتدريس كتبها وشرح متونها.
وقد درس الشيخ عبد الحق أولا في فاتح بور، وفي سنة 996ه ذهب لمكة؛ لأداء فريضة الحج، وهناك درس على كبار العلماء (ذكرهم في كتابه زاد المتقين)، وبعد عودته أقام يدرس في دلهي مدة تقرب من نصف القرن، وخلال هذه المدة حاز إعجاب الإمبراطور جهانجير وابنه شاه جهان، وقبره موجود في حوضي شمسي في دلهي، ونقش على حائط القبة موجز لحياته، ونص هذا النقش موجود كاملا في كتاب: «غلاب علي أزاد، مآثر الكرام، أجرا، 1328، ص201».
وقد ترك عبد الحق 49 مؤلفا بالعربية والفارسية، هذه أهمها:
ديوان شعر.
لمحة التنقيح، وهو شرح بالعربية على مشكاة المصابيح للتبريزي، وله أيضا شرح بالفارسية على نفس الكتاب، طبع في لكناو 1277ه.
أخبار الأخيار، وهو تراجم لأولياء الهند بصفة خاصة.
زبدة الآثار، وهو ترجمة لعبد القادر الجيلاني.
مفتاح الفتوح، وهو ترجمة فارسية مع التعليقات لكتاب الجيلاني «فتوح الغيب».
ذكر الملوك، وهو تاريخ مختصر للهند منذ عهد الغوريين إلى عهد أكبر.
جذب القلوب، وهو تاريخ للمدينة، مبني في معظمه على كتاب السمهودي.
مدارج النبوة، وهو سيرة للرسول.
وأهم ما يؤثر عنه جهوده المشكورة للاهتمام بدراسة الحديث في الهند. (3-10) جهود السلطان أورنجزيب الإصلاحية
ومن هذه الجهود جهود رسمية، بذلها الإمبراطور أبو الظفر محيي الدين عالم جير أورنك زيب (1068-1118ه).
فقد كان هذا الإمبراطور - على عكس سابقيه من الأباطرة - متدينا شديد التمسك بدينه، سنيا شديد التعلق بمذهبه والدفاع عنه، حتى لقد عرف بالملك الزاهد، ولي الحكم في الأربعين من عمره، وطالت مدة حكمه حتى بلغت الخمسين عاما، وكانت سياسته الدينية تعارض سياسة جده «أكبر» تمام المعارضة؛ ولهذا أصدر أوامره بإلغاء كثير من القوانين والنظم والمراسيم التي سبق أن سنها «أكبر» والتي كانت تدخل في نطاق البدع المستحدثة التي ينكرها الإسلام. وفيما يلي أمثلة للإصلاحات الدينية التي أحدثها:
ألغى التقويم الإلهي الذي كان قد أصدره أكبر ، وأحله محل التقويم الهجري.
منع الاحتفال بعيد رأس السنة الشمسية، وقد كان أكبر سن الاحتفال به إرضاء للمجوس.