تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان من عادة السلاطين التيموريين أن يتصدقوا على الفقراء بوزن أجسامهم من الذهب والجواهر الغالية؛ ظنا منهم أن هذا الصنيع يقيهم نوائب الدهر وموبقاته، وقد ألغى أورنجزيب هذه العادة.

كان من عادة الملوك من أسرته أن يظهروا للناس من شرف قصورهم كل صباح؛ لتتمتع الرعية برؤية وجوههم، واعتبر أورنجزيب هذه العادة تشبها بما كان يفعله الملوك الوثنيون مع رعاياهم، فألغاها.

كان أكبر قد أباح بيع الخمر علنا، ثم جاء ابنه جهانجير فمنعها، ولكن أوامره لم تنفذ؛ لأنه كان مدمنا للشرب؛ ولهذا أباح للناس شربها داخل بيوتهم، ثم خلفه ابنه شاه جهان، فتشدد في منع الخمر، ولكنه استثنى النصارى، فلما ولي أورنجزيب منع الجميع من شربها منعا باتا، وتشدد في تنفيذ هذا الأمر، وعين موظفين لمراقبة من يقبل على شرب الخمر ولمعاقبتهم العقاب الصارم.

كذلك أصدر أورنجزيب أوامره بمنع المقامرة منعا باتا، وبأن تخير الراقصات والبغايا بين الزواج أو مغادرة الدولة.

وقد توفي أورنجزيب في سنة 1118ه، ودفن في مدينة أورنج أباد - في ولاية حيدر أباد الدكن - فكان خاتمة الأباطرة العظام في الهند، وتوالى الملوك بعده من بنيه وبني بنيه، ولكنهم كانوا جميعا ضعاف الشخصية، فساءت أحوال البلاد، ونشطت العناصر غير الإسلامية وكثرت الثورات، ووسط هذه الفوضى الشاملة ظهر مصلح جديد، هو شاه ولي الله دهلوي. (4) شاه ولي الله دهلوي (1114-1176ه/1703-1762م)

إحدى الشخصيات البارزة في تاريخ الهند الإسلامية، وهو علامة بحاثة، ومفكر متعمق، وفقيه واسع الفكر والأفق، ومتصوف ورع، ومصلح متحمس؛ ولهذا فقد ترك في تاريخ الهند الفكري أثرا لا يمحى.

وقد حبته الطبيعة بمؤهلات وهبات سخية في الفكر والعاطفة، فكان نافذ العقل خفاق القلب، وقد أحسن استخدام هذه المؤهلات فيما يعود بالنفع الغزير على حركة الإحياء الإسلامية في الهند.

ولد ولي الله في عصر ساده الانحلال والفوضى، ولكنه كان يتطلع دائما إلى عالم يسوده السلام والتقدم. (4-1) المدرسة الرحيمية

ولقد أصبح المعهد الذي أسسه وأسماه المدرسة الرحيمية «مدرسائي رحيمية

Madrasah-i-Rahimia » نواة لحركة ثورية تهدف إلى تجديد الفكر الديني في الإسلام، وقد توافد على هذه المدرسة الطلاب من جميع أنحاء الهند قاصيها ودانيها، ولا شك أن حركة ولي الله تمثل فجر عصر جديد في عالم الفقه والأدب الإسلامي. (4-2) جهوده في تقريب القرآن والحديث لأفهام العامة في الهند

ولقد تعلق شاه ولي الله بدراسة القرآن والحديث، وكان أول عالم هندي ترجم كتاب الله الكريم إلى اللغة الفارسية؛ لغة الشعب، حقيقة لقد سبقه في هذا الميدان مولانا شهاب الدين دولت آبادي الذي عاش قبل ولي الله بسنوات طويلة، وألف كتابه «بحر مواج»، ولكن «بحر مواج» يعتبر تفسيرا أكثر منه ترجمة، ولقد كتبه مؤلفه للفقهاء لا للرجل العادي، أما هدف شاه ولي الله فكان مختلفا جد الاختلاف، لقد أراد أن يجعل القرآن مفهوما للرجل العادي ذي الثقافة البسيطة، وبهذا يعتبر كتابه «فتح الرحمن» أول ترجمة للقرآن يسهل فهمها ويمكن الوثوق بها والاعتماد عليها. كذلك يعتبر كتاباه الآخران: «مقدمة في تفسير القرآن المجيد» و«الفوز الكبير في أصول التفسير» دليلين لهما قيمتهما الكبرى لكل من حاول بعده أن يقوم على هذه المهمة الخطيرة؛ مهمة ترجمة القرآن.

وبذل شاه ولي الله جهودا أخرى موفقة لتقريب أحاديث الرسول - عليه السلام - لأفهام الشعب في الهند، وبذلك استحق أن يطلق عليه لقب «محدث».

ويعتبر كتابه «حجة الله البالغة» الذي هو بحق خير إنتاجه الفكري أفضل ما أخرجته الدراسات الهندية الإسلامية؛ فإن نظرات المؤلف الثاقبة اللماحة إلى قواعد الإسلام الأساسية، وعرضه الجلي الواضح للحقائق وأدلته القوية المقنعة، كل ذلك يضفي على هذا الكتاب هالة من الخلود. (4-3) عرض عام لجهود شاه ولي الله الإصلاحية في الدين

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ١٠