تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Badàoni »، لقد اعتبر هذا الكاتب - وكان محقا في رأيه - الدين الإلهي كفرا وإلحادا، وأحصى النواحي التي خرج فيها عن أصول الإسلام في النقط الآتية: (1)

أباح السجود للإمبراطور، والإسلام يمنع السجود إلا لله سبحانه وتعالى. (2)

دعا إلى عبادة أو تقديس الشمس والنار، وفي هذا رجوع للوثنية القديمة. (3)

سمح بوضع الحلاليف في القصر الإمبراطوري، واعتبر النظر إليها كل صباح عملا يستحق التقدير، والإسلام يحرم أكل لحم الخنزير، وبالتالي يحض على كراهيته. (4)

حرم أكل لحم البقر، والثوم، والبصل، وهذه أشياء أحلها الإسلام، كما حرم تربية اللحى، وقد كانت اللحى الشعار المميز للمسلمين في الهند في ذلك الحين؛ لأن الهندوكيين كانوا يحلقون لحاهم. (5)

نفى عددا كبيرا من الملا

Mullahs - أي العلماء - والمشايخ. (6)

منع ختان الأطفال قبل سن الثانية عشرة، وزواج البنات قبل سن البلوغ. (7)

حارب دراسة اللغة العربية. (8)

منع الأذان والصلوات الجامعة. (9)

أمر بتغيير الأسماء الإسلامية من أمثال: محمد وأحمد ومصطفى؛ لأنها تسبب الضيق للإمبراطور. (10)

أوقف الحج إلى مكة وصيام شهر رمضان. (11)

حرم دراسة القرآن والحديث. (12)

أمر بأن تحول المساجد والجوامع إلى مخازن وأماكن للحراسة.

ويختم بداؤني نقده بقوله: إن الإسلام بهذا قد هدمت أركانه، وانقض بنيانه، ولم يمض غير خمس أو ست سنوات حتى انقلب كل شيء رأسا على عقب، ولم يبق في نفس أكبر أثر ضئيل من دينه القديم القويم الإسلام، بل لقد أبدى مظاهر العداء الشديد للدين الذي آمن به في شبابه، والذي آمن به أسلافه من قبل.

وهكذا يعتبر بداؤني، ويوافقه في هذا

Smith

سنة 1582م - وهي السنة التي أعلن فيها الدين الإلهي - حدا فاصلا في حياة أكبر، ويريان أن أكبر لا يمكن اعتباره مسلما بعد هذه السنة.

ولم تكن التغيرات التي أحدثها أكبر مقصورة على الدين وحده، بل أحدث تغييرات أخرى تؤذي شعور المسلم؛ لأنها ذات صلة وثيقة بالتشريع أو النظام الإسلامي؛ فقد تزوج أكبر من بنات أمراء الهندوك؛ ليرتبط وإياهم برابطة ولاء النسب، غير أنه سمح لأولئك الزوجات بالاحتفاظ بدياناتهن، وبالقيام بشعائر هذه الأديان داخل القصر الإمبراطوري، كما أنه استبدل التقويم الهجري بتقويم جديد سماه التقويم الإلهي، يبتدئ بسنة جلوسه على العرش، وجعل شعار أتباعه «الله أكبر»، وكان يعني به أن أكبر هو الله!

هذه الحركة هزت المجتمع الإسلامي في الهند هزة عنيفة، غير أن كل من عارضها أو قاومها من العلماء كان نصيبه النفي والاضطهاد والتشريد، ومع هذا فقد لقيت الحركة تأييدا من بعض العلماء المسلمين الذين كانوا يبتغون الوسيلة والقربى إلى السلطان، والحقيقة أنه لولا تأييد هذا النفر من العلماء لما استطاع أكبر أن يقيم دعائم دينه الجديد، وفي هذا يقول أحمد سرهندي: «ومما لا شك فيه أن كل ما وقع من المداهنة والتخاذل في الأحكام الشرعية في هذا الزمان، وما ظهر من الفساد والوهن في نشر الدعوة الإلهية وإبقاء مآثرها في هذا العصر، إنما يرجع سببه إلى علماء السوء الذين هم لصوص الدين، وشر من تحت أديم السماء، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.»

ومع هذا فإن نفرا آخرين من العلماء المخلصين، الثابتين على إيمانهم، المتمسكين بدينهم عارضوا الدين الإلهي معارضة عنيفة، كان على رأس هؤلاء هذا العالم الذي اقتبسنا قوله الآن، السيد أحمد سرهندي، فقام هذا الرجل بحركة تجديدية مضادة، تعتبر في الواقع رد فعل لحركة أكبر الإلحادية. (3) أحمد سرهندي (971-1034ه / 1564-1625م) مجدد الألف الثانية

ويعرف أحمد سرهندي باسم «مجددي ألفي ثاني» أي مجدد الألف الثانية، وهو واحد من كبار المسلمين والمتصوفة الذين برزوا في تاريخ الهند، وقد بذل جهودا كبيرة في سبيل تجديد الإسلام، وتنقيته من الشوائب التي لصقت به، وخاصة بعد حركة الهرطقة والمروق التي كان قد بدأها الإمبراطور أكبر (1556-1605م). (3-1) حياته الأولى

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٦