تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد هذه التمهيدات دعا السلطان إلى اجتماع عام حضره كبار العلماء من كل دين وقادة الجيش، وفيه تحدث السلطان عن الأضرار التي تعود على المجتمع من كثرة الأديان وتعددها، وأعلن عن ضرورة إيجاد دين واحد يضم محاسن الأديان المختلفة الموجودة في الهند ويعتنقه الجميع، وبهذا - كما قال - «يمكن تقديس الخالق، ويمكن للسلام والرفاهية أن يسودا بين الناس، وأن يشمل الأمن الدولة.»

ولقد سمى أكبر هذا الدين الجديد «ديني إلهي

Din-i-Ilahi » أو الدين الإلهي، وتتلخص أصوله في: توحيد الله، وهو حجر الزاوية في الإسلام، وتقوم طقوسه على أسس من الصوفية المستمدة من الديانتين الهندوكية والزرادشتية.

وفرض على أتباع هذا الدين أن يؤمنوا بوحدانية الله، وبأن أكبر خليفته على الأرض، وأن يقدموا لجلالته أربعة أشياء؛ الثروة والحياة والشرف والدين.

وفرض عليهم أيضا أن يمتنعوا عن أكل اللحوم بجميع أصنافها، وأن يسجدوا للإمبراطور.

ومن طقوس هذا الدين الجديد تقديس الشمس والنار.

وحدد يوم الأحد ليكون يوم الاحتفال بدخول الناس في الدين الجديد، يتسلمون من صاحب الجلالة «الاسم الأعظم» وشعار الدين الجديد وهو «الله أكبر».

ووضع للدين الإلهي تحية جديدة تحل محل تحية الإسلام: «السلام عليكم» وردها: «وعليكم السلام»، وجعلت التحية الجديدة: «الله أكبر» وردها: «جل جلاله».

وبين الحين والحين كان الإمبراطور يصدر لأتباع دينه الجديد بعض التنظيمات واللوائح الجديدة. (2-4) الدين الإلهي بين مؤيديه ومعارضيه

فالدين الجديد - كما يتضح من هذه القواعد والأسس - يعكس أهداف الإمبراطور التي كان يرمي من ورائها إلى توحيد الأجناس الهندية المختلفة تحت راية دين واحد وعقيدة واحدة؛ فالروح التي دفعت أكبر إلى ابتداع هذا الدين هي روح الحاكم المصلح الذي يريد أن يزيل الفوارق بين رعاياه، والذي يعتقد أنه كلما زادت عوامل الألفة والوحدة بين الشعب، أدى هذا إلى قوة الدولة وأمنها واستقرارها.

وإذا نحن نظرنا إلى هذا الدين الجديد نظرة فاحصة؛ وجدنا أنه اقتبس الروح من الإسلام، بينما صاغ الجسم من الهندوكية والزرادشتية.

فالروح التي تتمثل في وحدانية الله مأخوذة عن الإسلام، والجسم الذي يتمثل في الطقوس المختلفة مأخوذة عن الديانتين الأخريين، ولم ينس الدين الجديد أن يرضي المسيحيين، فجعل يوم الأحد يوم التدشين للداخلين فيه أو للمؤمنين الجدد، وبذلك خرج هذا الدين الإلهي الجديد وهو يمثل جميع الديانات الموجودة في الهند، فهو دين عالمي هندي، فيه ما يرضي وفيه ما يجذب أتباع كل دين آخر.

وقد اختلف المؤرخون في تقديرهم لهذا الدين الجديد، فأعجب به الكثيرون من الغربيين، ورأوا فيه بشير نهضة أو حركة إحياء هندية كبرى، وقالوا في مجال الدفاع عن أكبر: إننا لكي نحسن فهمه وفهم دينه الجديد؛ يجب أن ننظر إليه على أنه حاكم مصلح مجدد، منشئ لإمبراطورية قوية، لا على أنه نبي أو رسول جاء يبشر بدين جديد، فالعقيدة التي دعا لها لم تكن هدفا في حد ذاتها، وإنما كانت وسيلة لهدف أكبر، هو التوحيد بين طوائف الشعب؛ لتكوين هند قوية موحدة.

وأما معارضوه فهم كثرة: بعضهم من الغربيين، والغالبية العظمى من المسلمين، وخاصة مسلمي الهند - معاصرين وغير معاصرين - وهؤلاء ينظرون إلى الدين الجديد باعتبار أنه دين أولا، وهكذا سماه صاحبه، ويحكمون على أكبر باعتباره ملكا مسلما دعا إلى دين جديد، معظم ما فيه لا يقره الإسلام، بل يعتبره مروقا وإلحادا وكفرا.

يقول

Smith

أحد الغربيين الذين أرخوا لأكبر: «كان الدين الإلهي دليلا على حماقة أكبر، لا على حكمته.» ويسمي هذا الدين في مكان آخر من كتابه «بالاختراع السخيف

a silly invention ».

أما رأي المجتمع الهندي الإسلامي في الدين الإلهي فيمثله خير تمثيل ما كتبه المؤرخ المعاصر «بداؤني

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٥