وأتى بعد هذا بترجمة طويلة مفصلة لحياة الغزالي، تحدث فيها عن مولده ونشأته الأولى، وطلبه للعلم، وشيوخه الذين أخذ عنهم، ثم أشار إلى رسائله ومكاتباته وفتاواه، وأتى بنماذج من شعره، وعرض الآراء التي تقول بأنه كان مجدد المائة الخامسة، وأتى بثبت كامل لمؤلفاته، ورتبها ترتيبا أبجديا.
وانتقل من هذا كله إلى ذكر الطاعنين عليه في الإحياء وخاصة الطرطوشي والمازري وابن قيم الجوزية، وأتى بموجز لطعونهم مع تحليلها ومناقشتها، والرد عليها.
ثم ختم هذه المقدمة القيمة بالكلام عن تلاميذ الغزالي، وإحصاء من اختصروا الإحياء، أو حاولوا شرحه قبله .
وقد انتهى الزبيدي من الجزء الأول في «يوم الجمعة بعد الصلاة، لخمس بقين من محرم الحرام، افتتاح سنة 1193ه.»
وفي سنة 1196ه أصيب بفقد زوجه، فلزم داره «واحتجب عن أصحابه الذين كان يلم بهم قبل ذلك، إلا في النادر؛ لغرض من الأغراض، وترك الدروس والإقراء، واعتكف بداخل الحريم، وأغلق الباب، ورد الهدايا التي تأتيه من أكابر المصريين»؛ أرسل إليه مرة أيوب بك الدفتردار مع نجله هدية بمناسبة حلول شهر رمضان، وكانت تشتمل على خمسين أردبا من البر وأحمال من الأرز، والسمن والعسل والزيت وخمسمائة ريال، وبقج كساوي من الأقمشة الهندية والجوخ، ولكنه ردها وأبى أن يأخذها.
وكان مولاي محمد سلطان المغرب يهاديه كثيرا، فيقبل هداياه، ولكنه أرسل إليه في سنة 1201ه - أي بعد عزلته - هدية لها قدر كبير، فردها وتورع عن قبولها.
انطوى السيد محمد إذن على نفسه، وانقطع عن دروسه، وامتنع عن مقابلة تلاميذه وأصحابه، وانعكف في منزله وقد استبد به الألم وغمره الحزن على فقد زوجته، فهو دائم البكاء عليها، دائم الحنين إلى أوقات الصفاء التي عاشها معها. حقيقة لقد تزوج بعدها غيرها، ولكن يبدو أنها لم تكن مثلها، فلم تستطع أن تنسيه أحزانه، أو أن تخرجه من عزلته، فلم يجد عزاء إلا في كتاب الإحياء، فانصرف إليه بكله، وأعطاه كل جهده ووقته، فلم يكن يوقف العمل فيه إلا عند سماعه الأذان يدعو للصلاة، وكان لا يجد متنفسا للإعلان عما به من ألم وضيق إلا في الأشعار التي ينظمها، أو في افتتاحيات وخواتيم الأجزاء المتتابعة لشرح الإحياء؛ فهو يقول مثلا في ختام الجزء الرابع: «وقد فرغ من تحريره وتهذيبه - مع تشتيت البال واختلال الأحوال - صبيحة يوم الجمعة المبارك لأربع بقين من شهر ربيع الثاني من شهور سنة 1198ه بمنزله بسويقة لالا، مؤلفه العبد المضطر، أبو الفيض، محمد مرتضى الحسيني، أصلح الله خلله، وتقبل عمله، وبلغه أمله.»
وقال في مقدمة الجزء الخامس عند الابتداء لشرح «كتاب الأذكار والدعوات»:
كتاب الأذكار والدعوات ... سلكت شعابه ورضت صعابه، فكم من مشكل قد أعربت عنه، وبينت ما أبهم منه ... حتى وضح سبيله للواردين، وراق زلاله للشاربين، هذا مع ما أنا فيه من اختلاف الأحوال، وتشتيت البال، وتواتر الأنكاد والأهوال، وكدورات تفرق الأوصال، وأشغال تحجب الخواطر عن الأعمال، متوسلا بيمن جاه مؤلفه إلى المولى اللطيف، أن يمن علينا بالعفو والعافية والنجدة من كل محيف، عسى الكرب الذي أمسيت فيه، يكون وراءه فرج قريب؛ إنه على فرجه قدير، وبما أملته جدير.
وقال في ختام هذا الجزء:
فرغ من تسويد هذا الكتاب المبارك العبد الفقير إلى الله تعالى، أبو الفيض، محمد مرتضى الحسيني، لطف الله به، وأخذه بيده في الشدائد والكروب، وأنجاه من كل ضيق وجلا عنه الخطوب، عند أذان ظهر يوم السبت 15 جمادى الأولى من شهور سنة 1199ه، أرانا الله خيرها، وكفانا ضيرها.
وقد صرف الزبيدي في تأليف هذا الشرح الكبير أحد عشر عاما، فقد قال في ختامه: ... وكانت مدة إملائه مع شواغل الدهر وإبلائه أحد عشر عاما إلا أياما، آخرها الخامسة من نهار الأحد، خامس جمادى الثانية من شهور سنة 1201ه، وذلك بمنزلي في سويقة لالا بمدينة مصر، حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام، والحمد لله في البدء والختام.