وهذا لون من الشعر قل أن نجد له أشباها كثيرة من الشعر العربي، ومنه الديوانان اللذان يضمان ما قاله عزيز أباظة وعبد الرحمن صدقي - من الشعراء المحدثين - في زوجتيهما بعد وفاتهما.
ومما قاله الزبيدي في رثاء زوجته:
أصابت يد البين المشت شمائلي
وحاقت نظامي عاديات النوائب
وكنت إذا ما زرت زبدا سحيرة
أعود إلى رحلي بطين الحقائب
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض غر الكواعب
فتاة الندى والجود والحلم والحيا
ولا يكشف الأخلاق غير التجارب
فديت لها، ما يستذم رداؤها
عميدة قوم من كرام أطايب
عليها سلام الله في كل حالة
ويصحبه الرضوان فوق المراتب
مدى الدهر ما ناحت حمامة أيكة
بشجو يثير الحزن من كل نادب
ويقول لمن يطالبه بالسلوان:
يقولون لا تبكي زبيدة واتئد
وسل هموم النفس بالذكر والصبر
وتأتي لي الأشجان من كل وجهة
بمختلف الأحزان بالهم والفكر
وهل لي تسل من فراق حبيبة
لها الجدث الأعلى بيشكر من مصر
أبى الدمع إلا أن يعاهد أعيني
بمحجرها، والقدر يجري إلى القدر
فإما تروني لا تزال مدامعي
لدى ذكرها تجري إلى آخر العمر
ويقول أيضا:
خليلي ما للأنس أضحى مقطعا
وما لفؤادي لا يزال مروعا
أمن غير الدهر المشت وحادث
ألم برحلي أم تذكرت مصرعا
وإلا فراق من أليفة مهجتي
زبيدة ذات الحسن والفضل أجمعا
مضت فمضت عني بها كل لذة
تقر بها عيناي فانقطعا معا
لقد شربت كأسا سنشرب كلنا
كما شربت لم يجد عن ذاك مدفعا
فمن مبلغ صحبي بمكة أنني
بكيت فلم أترك لعيني مدمعا
ثم يستعين بالصبر فيخونه، ويتمنى أن لو كان سبقها بالموت، ويعبر عن هذا كله بقوله:
خليلي هل ذكرى الأحبة نافع
فقد خانني الصبر الجميل العواقب؟
وهل لي عود في الحمى أم تراجع
لوصل بتلك الآنسات الكواعب؟
لقد رحلت عني الحبيبة غدوة
وسارت إلى بيت بأعلى السباسب
أقول وما يدري أناس غدوا بها
إلى اللحد ماذا أرجوا في السباسب
تأخرت عنها في المسير، وليتني
تقدمت لا ألوي على حزن نادب
ثم يصفها وهي تنتقل إلى العالم الآخر في غلائلها الخضر، وقد طافت بها الملائكة، ودقت لها السماء طبولها مرحبة بها، فيقول:
زبيدة شدت للرحيل مطيها
غداة الثلاثا في غلائلها الخضر
وطافت بها الأملاك من كل وجهة
ودق لها طبل السماء بلا نكر
تميس كما ماست عروس بدلها
وتخطر تيها في البرانس والأزر
سأبكي عليها ما حييت، وإن أمت
ستبكي عظامي والأضالع في القبر
ولست بها مستبقيا فيض عبرة
ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر
ثم هو يشير في مقطوعة أخرى إلى سجاياها الكريمة وحدبها عليه، فيقول:
يا لهف نفسي حسن أخلاق لها
جبلت عليه ووصلة الأرحام
وإطاعة للبعل ثم عناية
صرفت لإطعام، ولين كلام
تلك المكارم فابكها ما رنحت
ريح الصبا سحرا غصون بشام ... إلخ. (1-11) شرح كتاب الإحيا
وكان السيد محمد مرتضي قد شرع في شرح كتاب إحياء علوم الدين للغزالي في سنة 1190ه، أي: بعد فراغه من شرح القاموس بنحو سنتين؛ فقد طلب إليه تلاميذه ومريدوه أن يقرأ لهم هذا الكتاب، فآثر أن يتبع القراءة بالشرح؛ لضبط ألفاظه، وتفسير معانيه، وقد نص هو على هذا في مقدمة الشرح؛ قال: «وبعد، فهذه تقريرات شريفة، وتحريرات منيفة، أمليتها على كتاب الإحيا للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي - رحمه الله تعالى - حين سئلت في إقرائه ... على أني لم أر أحدا من العلماء قديما وحديثا - مع كثرة تداول هذا الكتاب بين أيديهم، وتبركهم بقراءته في سائر الأقطار، خصوصا في قطر اليمن المأنوس بالأخيار - اعتنى بضبط ألفاظه المشكلة، ولا فصل بنود عقوده المجملة، وقد شرح الله صدري لشرحه بإلهام، وسعى يعبوب فكري لتحصيله باهتمام ... إلخ.»
وشابه منهجه في شرح الإحياء منهجه في شرح القاموس إلى حد كبير؛ فقد كتب له مقدمة طويلة فيها دراسة قيمة للغزالي وكتابه، وقدم بين يدي هذا كله قائمة كاملة بالمراجع التي أفاد منها عند إعداد هذا الشرح، وهي كثيرة العدد متنوعة الفنون؛ فمنها المعاجم اللغوية الكثيرة، وفي مقدمتها شرحه للقاموس، ومنها عشرات الكتب الأخرى في علوم اللغة والحديث والتفسير، والتاريخ والرجال والتراجم، وأصول الدين والفقه وفروعه، والتصوف ... إلخ.