تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Ajmer

فيطوف به عدة مرات، ثم يجلس في حضرته وقتا طويلا، وقد سمى ابنه سليما باسم هذا الشيخ، وهو الذي سيعرف - فيما بعد - باسم جهانجير

jahangir .

وكان أكبر لا يبدأ عملا أو قولا إلا بدأه بقوله: «يا هادي، يا معين»، وكان لهاتين الكلمتين - فيما يقال - أثر السحر في نفسه، كما كانتا تثيران حماس أتباعه الشديد، فكان جنود جيشه - مسلمين وهنودا - إذا سمعوه يدعو هذا الدعاء يرددونه وراءه في صوت جهوري، ثم ينقضون على العدو دون خوف أو وجل.

وكان أكبر يعتقد في الفقراء والمتصوفة، ويزور زواياهم حافي القدمين في أغلب الأحوال، وقد دفعته هذه الروح الدينية إلى الإقبال على دراسة القرآن والحديث، وساعدته حافظة قوية على استيعاب كل ما يلقيه عليه أساتذته.

ولم يقنع أكبر بهذا، بل أصدر أوامره بتعيين القضاة والمفتين في كل جزء من أجزاء مملكته؛ ليحكموا بين الناس بالعدل تبعا لأصول الشريعة الإسلامية، وكان يستجيب لمشورة العلماء في اضطهاد المتزندقة والملحدين.

وقرب أكبر إليه عددا من العلماء، كانوا بمثابة الرواد يوجهونه ويثقفونه؛ من أشهرهم: بيرم خان

Bairam Khan ، وعبد الله مخدوم الملك

Abdullah Makhdûm-ul-Mulk ، والشيخ عبدون نبي

Abdun-Nabi ، ولكنه كان يؤثر الشيخ عبدون بتقديره واحترامه وثقته، حتى إنه عينه صدرا للصدور، وكان يدعوه إلى حضرته يوميا؛ حيث يجلس بين يديه ليتلقى دروسا في الحديث. (2-2) عبادة خانة، والتمهيد لإعلان الدين الإلهي

هكذا بدأ أكبر، وهكذا ظل طوال العشرين سنة الأولى من حكمه مسلما سنيا متدينا مخلصا لعقيدته؛ مما جمع قلوب السنة من مسلمي الهند على حبه وتأييده، ولكنه انقلب فجأة إلى رجل حر التفكير، ونفض عن عقله وروحه هذا الإخلاص القديم، وبدأ يفكر في إيجاد دين جديد! فبدأ في سنة 1575م بإنشاء دار خاصة في فاتحبور سكري

Fatihpur Sikri

سماها: «عبادة خانة

Ibadat khanah »، ودعا الفقهاء والعلماء من السنة والشيعة مساء كل خميس لحضور هذه الدار، ومناقشة المذاهب في حضرته؛ بغية التقريب بين الآراء المختلفة، وتوحيد الإسلام في مذهب واحد، ولكن هذه المناقشات لم تأت بالنتيجة المطلوبة، بل على العكس وسعت الشقة وزادت في عوامل الخلاف، وراح كل فريق يتهم الفريق الآخر بالكفر والمروق.

وفي إحدى أمسيات الخميس في سنة 1578م اشتد النقاش بين العلماء حتى لقد وصم بعضهم البعض الآخر بالكفر في حضرة السلطان، ولم يعد هناك أمل في تآلف العلماء - وهو الهدف الذي كان يرمي إلى تحقيقه أكبر - وعند ذلك ألقي على الحاضرين سؤال هام:

من يكون صاحب الحق في إصدار الفتاوى والأوامر الدينية الواجب اتباعها إذا اشتد الخلاف بين الفقهاء؟ وتقدم واحد من الحضور وهو الشيخ مبارك وقال: إن السلطان يكون صاحب هذا الحق.

وتنفيذا لهذا الاقتراح كتب محضر لإعلان أكبر «إمامي عادل

Imam-I

c

Ādil »، أي إماما عادلا، ووقع على هذا المحضر العلماء والفقهاء في رجب من سنة 987ه، ومن بينهم مخدوم الملك وعبدون نبي، ووقع عليها بالموافقة كذلك الإمبراطور أكبر.

هذه الوثيقة وضعت السلطة كلها في يد أكبر، ورفعته إلى مرتبة أعلى من مرتبة المجتهد، وهي مرتبة الإمام العادل، وأصبح بذلك الحاكم المطلق، على أن يكون عماد حكمه الرجوع إلى القرآن والسنة والقياس، وأهم من هذا أن هذه الوثيقة جعلت لأكبر - إلى جانب سلطاته الزمنية - السلطان الروحي على رعاياه، وبالتالي سلب العلماء هذا السلطان، ولم يعد لهم الحق في أن يتدخلوا في شئون الحكم. (2-3) إعلان الدين الإلهي

وبعد قليل خطا أكبر خطوة أخرى أشد جرأة، فبدأ يفكر في وسيلة تمكنه من توحيد المجتمعين الإسلامي والهندي؛ ليقل الخلاف بين رعاياه، وليصبحوا أكثر تواؤما وانسجاما، وهداه تفكيره إلى إنشاء دين جديد يجمع أصول الديانتين الإسلامية والهندية ومحاسنهما، ولم يكن يسمح حتى ذلك الحين بدخول عبادة خانة إلا لعلماء المسلمين، فبدأ أكبر بدعوة علماء الأديان الأخرى لهذه الدار، والمشاركة في النقاش والجدل الديني، يدافع كل فريق عن دينه ويبدي محاسنه.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٤