تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 1189ه كان الزبيدي قد بلغ الرابعة والأربعين من عمره وأصبح رجلا بل كهلا مكتمل الرجولة ناضج الفكر واسع المعرفة، وكان قد مضى عليه في مصر اثنتان وعشرون سنة، فعرفه العلماء والكبراء، وذاع صيته في الأوساط العلمية، وخاصة بعد أن احتفل بالفراغ من شرح القاموس منذ شهور قليلة، فرأى أن ينتقل من عطفة الغسال إلى حي جديد يتناسب ومكانته الجديدة، فانتقل إلى منزل بسويقة اللالا بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفي في أوائل سنة 1189ه، وكان هذا الحي عامرا بالأكابر والأعيان، فأحدقوا به، ورحبوا بمقامه بينهم، وأقبلوا على زيارته ومهاداته، وهو يظهر لهم التعفف والغنى، ويعظهم ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقى، ويجيزهم بقراءة أوراد وأحزاب، وبهذا الأسلوب وغيره عرف السيد محمد مرتضى أن يستحوذ على إعجاب جيرته من أهل الحي الجديد؛ فقد كان المجتمع القاهري - كما قلنا - تغمره موجة من التصوف، ويكاد كل فرد فيه ينتمي إلى طريقة من الطرق الصوفية، وكان الزبيدي يلفت النظر إليه كلما مر في الحي؛ فقد كان ربعة، نحيف البدن، ذهبي اللون، متناسب الأعضاء، معتدل اللحية، قد وخطه الشيب في أكثرها، وكان مترفها في ملابسه، ويختلف في هيئته وبزته عن العلماء المصريين، فيعتم - مثل أهل مكة - عمامة منحرفة بشاش أبيض، ولها عذبة مرخية على قفاه، ولها حبكة وشراريب حرير طولها قريب من فتر، وطرفها الآخر داخل طي العمامة، وبعض أطرافه ظاهر.

فانجذبت قلوب أهل الحي إليه، وتناقلوا خبره، وترددوا على داره يستمعون إلى دروسه وأحاديثه، فأسرهم بكلامه، وملك عليهم ألبابهم؛ فقد كان كما يقول الجبرتي: «وقورا محتشما، مستحضرا للنوادر والمناسبات، ذكيا لوذعيا، فطنا ألمعيا، روض فضله نضير، وما له في سعة الحفظ نظير»، وكان إلى هذا يعرف اللغتين: التركية والفارسية، وبعض لسان الكرج. (1-7) طريقته في تدريس الحديث

وكانت معظم دروس الزبيدي في هذه الفترة في علوم الحديث، وكان منهجه في التدريس جديدا كذلك، لفت إليه الأنظار، وجذب إليه الأعيان أولا، ثم شيوخ الأزهر ثانيا؛ لأنه أحيا طريقة السلف الصالح في تدريس الحديث، فكان لا يكتفي بإملاء الأحاديث، بل يذكر الأسانيد والرواة والمخرجين، وكان لا يلقي بهذه المعلومات من كتاب في يده، بل يلقيها ارتجالا من حفظه، وعلى طرق مختلفة وبأساليب متباينة، وكان يبدأ كل من يفد عليه للأخذ عنه بأن يملي عليه الحديث المسلسل بالأولين - وهو حديث الرحمة - بروايته ومخرجيه، ثم يكتب له سندا بذلك وإجازة وسماع الحاضرين.

كان هذا أسلوب المحدثين القدامى، وقد نسيه العلماء في العصر العثماني، فنفض عنه الزبيدي الغبار، وأحياه من جديد، فبهر عقول أهل العلم في القاهرة، وسعى إليه شيوخ الأزهر - وهم قادة العلم في وقتهم - يسألونه الإجازة، ولكن الزبيدي كان يرى أن الدراسة الجدية يجب أن ترتفع عن المظاهر والشكليات، فقال لهم: «لا بد من قراءة أوائل الكتب»، فقبلوا واتفق على أن يبدأ معهم درسا يقرأ لهم فيه صحيح البخاري، واختار أن يلقي درسه هذا يومي: الإثنين والخميس من كل أسبوع في جامع شيخون؛ «تباعدا عن الناس.»

يقول الجبرتي: «وتناقل في الناس سعي علماء الأزهر - مثل الشيخ أحمد السجاعي، والشيخ مصطفى الطائي، والشيخ سليمان الأكراشي، وغيرهم - للأخذ عنه؛ فازداد شأنه وعظم قدره، واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر والأعيان.»

لم يعد الدرس إذن خاصا بعلماء الأزهر، بل أصبح درسا عاما، وأقبل الناس على سماعه من كل حدب وصوب، ومن كل الطبقات، والتمس الحضور من الشيخ أن لا يكتفي برواية الأحاديث وأسانيدها، بل يشرحها لهم، فأجابهم إلى طلبهم، وانتقل - كما يقول الجبرتي - «من الرواية إلى الدراية» وصار درسا عظيما، فعند ذلك انقطع عن حضوره أكثر الأزهرية، وقد استغنى عنهم هو أيضا، وصار يملي على الجماعة - بعد قراءة شيء من الصحيح - حديثا من المسلسلات أو فضائل الأعمال، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه، ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك، فيتعجبون من ذلك؛ لكونهم لم يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين.»

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٤٨