تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبح الزبيدي بعد هذه الدروس حديث القوم في حي الصليبة والقلعة، بل في الأوساط العلمية كلها في القاهرة، فطلب منه أهل حي الحنفي أن يخصهم بدرس آخر، فأجاب سؤلهم وافتتح درسا جديدا في مسجد الحنفي، كان يقرأ فيه الشمائل بعد العصر في بقية أيام الأسبوع، فارتفعت مكانته، وذاعت شهرته، وأقبل الناس من كل فج لسماع هذه الدروس الجديدة.

وتسابق الصفوة والأعيان على دعوته إلى منازلهم؛ ليأخذوا عنه الحديث هم وأولادهم وأفراد أسراتهم، وكانوا يحتفلون بزيارته احتفالا كبيرا، ويولمون الولائم، وكان هو يضفي على هذه الدروس ما تستحقه من وقار وقداسة، ويتبع أسلوب المحدثين القدامى في ذلك، فيصحب معه خواص الطلبة والمقرئ والمستملي وكاتب الأسماء، ويجلس صاحب المنزل ومعه أصحابه وأحبابه وأولاده، ومن خلف الستائر تجلس بناته ونساؤه، وقد تناثرت في المكان مجامر البخور والعود، والرائحة الزكية تضوع فتملأ المجلس مدة القراءة، ثم يبدأ الشيخ فيقرأ للمجتمعين شيئا من الأجزاء الحديثية؛ كثلاثيات البخاري أو الدارمي، أو بعض المسلسلات، ثم يختمون جميعا الدرس بالصلاة على النبي -

صلى الله عليه وسلم ، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين بما فيهم النساء والصبيان والبنات، ويثبت اليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ في ختام هذا السجل أو الإجازة: «صحيح ذلك»، ويوقع باسمه.

وقد ذكر الجبرتي - وكان تلميذا للزبيدي - أنه حضر كثيرا من هذه الدروس، وذكر كذلك أن الشيخ زاد نشاطه، فكان يعقد دروسا أخرى في منزله القديم بخان الصاغة - قريبا من الأزهر، وفي منزلي الجبرتي في الصنادقية وبولاق، وأنه كان يخرج في بعض الأحيان مع نفر من تلاميذه المقربين إلى المتنزهات والأماكن الخلوية، مثل غيط المعدية أو الأزبكية، حيث يعقد لهم دروسا في الهواء الطلق يقرأ عليهم فيها بعض الأجزاء الحديثية. (1-8) السيد محمد عالم من أعلام الفكر في مصر والعالم الإسلامي

وأقبلت الدنيا على الشيخ؛ فقد تجاوزت شهرته الأوساط العلمية إلى أوساط الأمراء والحكام، فانجذب إليه بعض الأمراء الكبار؛ مثل مصطفى بك الإسكندراني، وأيوب بك الدفتردار، وسعوا إليه في منزله؛ لحضور دروسه، وقدموا إليه الهدايا الجزيلة، وعندما حضر الرئيس عبد الرزاق أفندي من الديار الرومية إلى مصر، وسمع بالزبيدي ذهب لزيارته والتمس منه الإجازة، وطلب أن يقرأ عليه مقامات الحريري، فأجابه إلى طلبه، وكان يحضر عنده بعد درس شيخون، فيقرأ معه المقامات ويشرح له معانيها وألفاظها.

ولما حضر إلى مصر محمد باشا عزت الكبير في سنة 1191ه أكرمه ودعاه إلى القلعة، وخلع عليه فروة سمور، ورتب له تعيينا من كلاره؛ من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز، كما رتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين، وغلالا من الأنبار، ثم أرسل إلى الأستانة تقريرا يعرف فيه الدولة ورجالها بالشيخ ومكانته، فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة، وقدره مائة وخمسون نصفا فضة في كل يوم.

أصبح السيد محمد مرتضى بعد سنة علما من أعلام الفكر والعلم، لا في مصر وحدها ، بل في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولا في أوساط العلماء وحسب، بل في أوساط الحكام والأمراء والملوك في مختلف الدول الإسلامية، فطلبه السلطان عبد الحميد للذهاب إلى عاصمة الخلافة في سنة 1194ه، فأجاب، ثم امتنع.

يقول الجبرتي: «وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق، وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد البعيدة، وكثرت عليه الوفود من كل ناحية.»

وأصبح الشيخ يعيش في بحبوحة من العيش، فاشترى الجواري وأولم الولائم للضيوف وأكرم الوافدين عليه، وأصبح بيته محجة يحج إليها كل الواردين والوافدين على مصر من أنحاء العالم الإسلامي، ومصر بحكم مركزها المتوسط يكثر بها الوارد والوافد من الشرق ومن الغرب؛ للزيارة أو للتجارة، أو في الطريق إلى الحج، وكان هؤلاء جميعا يحملون للسيد الهدايا والصلات من الطرف الغريبة الموجودة في كل إقليم، وكان السيد بدوره يرسل الطرف من هدايا كل إقليم إلى الإقليم الذي لا توجد فيه، فيأتيه في مقابلها أضعافها؛ فقد أهدي إليه مرة أغنام من إقليم فزان، وهي - كما وصفها الجبرتي - «عجيبة الخلقة عظيمة الجثة، يشبه رأسها رأس العجل»، فأرسل منها إلى أولاد السلطان عبد الحميد، فأعجبوا بها كثيرا.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٤٩