ثم هو يضيف بعد هذا كله جديدا من عنده، يضعه تحت عنوان «المستدرك»، وهذا الجديد هو في معظمه خلاصة تجاريبه، والمعرفة التي حصلها خلال رحلاته في الهند وبلاد العرب ومصر، وقد يكون هذا المستدرك لفظا علميا يستعمله أهل مصر أو أهل اليمن أو أهل الهند، وقد يكون موقعا أو قرية في قطر من هذه الأقطار، فلهذه المستدركات أهمية كبرى؛ لأنها تتضمن معلومات جديدة انفرد بها الزبيدي، ولا تجدها في مرجع أو في معجم لغوي آخر.
فهو يقول - مثلا - في المستدرك على مادة «كنت»: «ومما يستدرك عليه: كجرات اسم ناحية متسعة بأرض الهند، وتعرف بنهروالته وبأحمد أباد»، وقال في المستدرك على «عرث»: «العرطنيثا أصل شجرة يقال لها: بخور مريم، يغسل به الثياب، وهو رومي ... وهو المعروف بالركفة في مصر»، وقال في المستدرك على حجب: «والمحجب كمعظم: لقب جماعة، منهم شيخنا الصالح الصوفي، صفي الدين أحمد بن عبد الرحمن المخاثي، اشتغل بالحديث وأجازنا»، وقال في المستدرك على «بانب»: ومما يستدرك عليه: بانوب قرية من قرى مصر من إقليم الغربية، ذكرها ابن الجيعان في كتاب القوانين، والذي في المعجم لياقوت أن بانوب اسم لثلاثة قرى بمصر؛ في الشرقية، والغربية، والأشمونين» ... إلخ.
وأتم الرجل هذا العمل العلمي الضخم الذي تنوء به العصبة أولو القوة من العلماء؛ فإن عملا كهذا تقوم به في عصرنا لجان ولجان، تقضي في إنجازه سنوات وسنوات، ولكن الزبيدي قام به وحده، وأنجزه في أربعة عشر عاما، نص على هذا في مقدمة التاج، قال: «وكان مدة إملائي في هذا الكتاب من الأعوام 14 سنة وأيام، مع شواغل الدهر وتفاقم الكروب بلا انفصام، وكان آخر ذلك في نهار الخميس بين الصلاتين، ثاني شهر رجب سنة 1188ه بمنزلي في عطفة الغسال بخط سويقة المظفر بمصر.»
وأفعمت نفس الزبيدي بالفرح أن وفقه الله لإتمام هذا الشرح، وسماه «تاج العروس من جواهر القاموس»، وأراد أن يشاركه غيره من العلماء هذه الفرحة، فاستن سنة طيبة، وأولم وليمة حافلة في منزله، جمع فيها طلاب العلم وأشياخ الوقت وأطلعهم عليه؛ يقول الجبرتي - وكان حاضرا هذا الحفل: «فاغتبطوا به وشهدوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في علم اللغة، وكتبوا عليه تقاريظهم نثرا ونظما.»
ثم ذكر أسماء العلماء الذين قرظوه، وهم صفوة العلماء في مصر في ذلك الوقت؛ فمنهم «شيخ الكل في عصره الشيخ علي الصعيدي»، ومنهم أستاذه السيد عبد الرحمن العيدروس، ومنهم الشيخ أحمد الدردير، والشيخ محمد الأمير، والشيخ حسن الجداوي، والشيخ أحمد البيلي، والشيخ عطية الأجهوري، والشيخ عيسى البراوي، والشيخ محمد الزيات، والشيخ محمد عبادة، والشيخ محمد العوفي، والشيخ حسن الهواري، والشيخ أبو الأنوار السادات، والشيخ علي القناوي، والشيخ علي خرائط، والشيخ عبد القادر بن خليل المدني، والشيخ محمد المكي، والسيد علي المقدسي، والشيخ عبد الرحمن مفتي جرجا، والشيخ علي الشاوري، والشيخ محمد الخربتاوي، والشيخ عبد الرحمن المقري، وكان آخرهم عالما من علماء العراق هو الشيخ محمد سعيد البغدادي السويدي، وقد قرظه نظما ارتجالا،
6
وأورد تقريظه هذا الجبرتي في تاريخه.
ولما أتم محمد بك أبو الذهب بناء مسجده المعروف بالقرب من الأزهر ألحق به - كالعادة - خزانة للكتب، وزودها بعدد كبير من أمهات الكتب، ولم يضن في سبيل ذلك بالمال، وقد حدثه العلماء المقربون إليه عن «تاج العروس» وأطنبوا في مدحه، وعرفوه - كما يقول الجبرتي - «أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها، وانفردت بذلك دون غيرها، ورغبوه في ذلك فطلبه، وعوضه عنه مائة ألف درهم فضة، ووضعه فيها.»
وكان شيخ السادات الوفائية في ذلك الوقت هو السيد أبو الأنوار ابن وفا، وكان من عادته أن يكني من يحضر مجلسه من العلماء الذين يمتازون بالجد في التحصيل أو النبوغ، وقد كنى السيد المرتضى بأبي الفيض، وكان ذلك في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة 1182ه، وكانت كنية موفقة؛ فقد بدأ السيد مرتضي يفيض على الناس فعلا من علمه، واتجه إلى إحياء الكتب ومناهج الدراسة القديمة، وخاصة في علم الحديث؛ ميدان تخصصه الأول، وحرص - على حد قول الجبرتي - «على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون؛ كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وألف في ذلك كتبا ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة.» (1-6) سكنه الجديد في سويقة اللالا