تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظلت هذه الإمارة تابعة للخلافة، وعن طريقها انتشر الإسلام رويدا رويدا في المناطق الهندية المجاورة. (2)

والطريق الثاني هو منطقة الحدود الشمالية الغربية، وعبرها انحدرت جيوش محمد بن سبكتكين - أو محمود الغزنوي - (388-421ه) ففتحت إقليم البنجاب، وتقدمت حتى استولت على دلهي ومعظم الأجزاء الشمالية من الهند.

وتوالت على هذه المنطقة دول إسلامية كثيرة، إلى أن كان القرن السادس عشر، وانحدر بابر عبر نفس الطريق بجيوشه المغولية، مكونا دولة الأباطرة العظام التي مدت سلطانها حتى شمل معظم أجزاء الهند، والتي ظلت تحكم شبه القارة الهندية نحو ثلاثة قرون.

ونتيجة لهذه الفتوح ولقيام هذه الدول الإسلامية المتتابعة؛ انتشر الدين الإسلامي في جميع أنحاء الهند، ولكننا نلاحظ أن هناك عاملا آخر كان أكثر تأثيرا في انتشار الإسلام في الهند، وذلك هو سبيل الدعوة الدينية السلمية التي تسير مع ركب الحياة وتطورها؛ فعن طريق التجار واتصالاتهم، وعن طريق الفقهاء والوعاظ ودروسهم، وعن طريق العلماء والمتصوفة ورحلاتهم ومدارسهم؛ انتشر الإسلام بين الهنود، فهؤلاء جميعا كانوا في معظمهم من العرب، أو من المثقفين بالثقافة العربية، في حين أن الفتوح الإسلامية - باستثناء الفتح الأول الذي قاده محمد بن القاسم - قامت بها جيوش وعناصر غير عربية من الترك والفرس والمغول.

وهذه ناحية هامة نعتبرها مفتاح دراسة الإسلام في الهند؛ فإن هذه الجيوش التركية والمغولية كانت في معظمها حديثة عهد باعتناق الإسلام، وقد نقلت معها معالم الثقافة الفارسية ومظاهر الحياة التركية والمغولية؛ ولهذا انتشرت في المجتمع الإسلامي بالهند اللغة الفارسية ثم اللغة الأوردية، ولم تنتشر اللغة العربية، وبالتالي لم تزدهر الثقافة العربية في الهند ازدهارها في الأقاليم والدول الإسلامية الأخرى، وساعد على هذا أن معظم العلماء والمشايخ الذين وفدوا على الهند كانوا من علماء ما وراء النهر، وهؤلاء كانوا من أتباع مذهب أبي حنيفة، يعتمدون على كتب المتأخرين من فقهاء هذا المذهب، كما كانوا شغوفين بعلوم اليونان القديمة، ولغتهم الثقافية الأثيرة لديهم هي اللغة الفارسية؛ ولهذا اصطبغت الثقافة الإسلامية في الهند بهذه الصبغات الثلاث، ولم تقم على أسس سليمة قوية من الثقافة العربية.

ولكن ليس معنى هذا أن الهنود لم يعرفوا اللغة أو المؤلفات العربية، بل لقد عرفوها وانتشرت بينهم، وتعلمها الكثيرون منهم، بل وألفوا بها، ولكن الذي نعنيه أنها كانت أقل انتشارا وتأثيرا في المجتمع الإسلامي الهندي إذا قورنت بالثقافتين الفارسية والتركية المغولية.

وفي القرن السادس عشر، وفي عهد الإمبراطور المغولي جلال الدين محمد أكبر تعرض المجتمع الإسلامي في الهند لهزة عنيفة؛ فقد كان هذا الحاكم عظيما حقا، مصلحا حقا، ويعتبر عصره من أزهر العصور التي شهدتها الهند، ولكن حركته الإصلاحية لم تقتصر على الجيش والنظم الحربية والإدارية والمالية، ونواحي الحياة العلمية والأدبية والفنية، بل تعدت هذا كله إلى الدين؛ فقد اعتقد أكبر أنه لا يستطيع أن يحكم دولة تعتبر بحق متحفا أنثرولوجيا (جنسيا) حكما ناجحا؛ كانت الهند تضم خليطا عجيبا متباينا من الأجناس والأديان، والعادات والتقاليد والثقافات، فتطلع أكبر إلى توحيد هذا المجتمع الهندي في كل شيء، حتى في الدين. (2) أكبر والدين الإلهي (2-1) أكبر، الحاكم السني المتدين

ولي أكبر العرش في سنة 1556م وهو في الرابعة عشرة من عمره، وظل يحكم الهند خمسين عاما، وكان في العشرين سنة الأولى من حكمه مسلما سنيا كأحسن ما يكون المسلم السني، يحافظ على أصول الدين، ويؤدي الصلوات في المسجد وفي أوقاتها، بل لقد كان يقوم أحيانا مقام المؤذن فيدعو الناس للصلاة، وكان يحترم علماء الدين والمتصوفة الزاهدين ويبجلهم، ويؤثر صحبتهم، فيقضي في حضرتهم الساعات الطوال، ولا يتردد في إجابة مطالبهم مهما ضؤلت، وكان يحج في كل عام لزيارة ضريح الشيخ سليم الششتي في مدينة أجمير

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٣