تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الشيخ في أوقات تجواله تبعته امرأة معتوهة لا تقل عنه خبلا، ولزمته في تنقله وتجواله، وسرعان ما آمن الناس بها أيضا، واعتقدوا في ولايتها، وأشاعوا أن الشيخ قد «لحظها وجذبها» فأصبحت مثله من الأولياء الصالحين، ثم ارتقت درجة أخرى من درجات الجذب، فخرجت معه إلى الشارع في زي الرجال، يتبعهما أنى سارا الجم الغفير من الفقراء والعامة والأطفال الصغار، ومنهم - كما يقول الجبرتي - من اقتدى بهما «ونزع ثيابه وتحنجل في مشيته»، فقيل: إن الشيخ قد جذبه أو مسه، فصار وليا! وكانت المرأة ترقى أحيانا على درج عال، وتفحش في القول، فيزداد إيمان الناس بها، ويتزاحمون على تقبيل يدها؛ تبركا بها!

وتفاقم الحال وكثر أتباع الرجل والمرأة حتى كانا إذا مرا بشارع كثر الضجيج وعلت الأصوات، واجترأ أتباعه فنهبوا الدكاكين، واستولوا على ما فيها من متاع وبضاعة، ومر هذا الموكب يوما ببيت جندي يدعى جعفر كاشف، فقبض على الشيخ وأدخله إلى داره ومعه المرأة وسائر المجاذيب، ثم طرد الناس الملتفين حوله، وقدم له ما يأكله، ثم أطلقه بعد ذلك إلى حال سبيله، أما المرأة والمجاذيب فقد أخذ يضربهم حتى طير الولاية من رءوسهم، ثم أطلق سراح المجاذيب، وأرسل المرأة إلى المارستان، وربطها عند المجانين.

ورغم هذا فقد ظل الناس يؤمنون بولاية الشيخ ورفيقته حتى بعد موتهما؛ فقد توفي الشيخ في سنة 1207ه، فأقام أخوه على قبره مقصورة ومقاما، ورتب له المقرئين والمداحين وأرباب الأشاير والمنشدين، يتغنون بكراماته وأوصافه في قصائدهم، وكان هؤلاء المريدون - كما يقول الجبرتي: «يتواجدون ويتصايحون ويمرغون وجوههم على شباكه وأعتابه، ويغرفون بأيديهم من الهواء المحيط به ويضعونه في عبابهم وجيوبهم.»

أما المرأة فقد لبثت في المارستان وقتا ما، ثم أطلق سراحها، فخرجت إلى الشوارع، وإذا بها «شيخة على انفرادها» يعتقد الناس في ولايتها، ويؤمن النساء - بوجه خاص - في كراماتها، وبعد مماتها أقيمت لها الموالد، وقدمت لها الهدايا والنذور. (2-2) العنزة المباركة

كان ادعاء الولاية إذن طريقا سهلا ميسورا لاصطناع الغنى واجتلاب الثروات، في وقت فشا فيه الفقر واشتد الضيق بالناس، وقد يكون هذا سببا من أهم أسباب انتشار التصوف وكثرة المجاذيب والدراويش، ولكن الناس تغالوا في هذا الباب حتى نسبوا الولاية والكرامات إلى الحيوانات، فعل هذا كبير خدام مشهد السيدة نفيسة؛ فقد أتى هذا الرجل بعنزة، وادعى أن السيدة أوصت بها خيرا حتى أصبحت تأتي بالكرامات، وشاع خبر العنزة، فآمن الناس بها وبما قاله الشيخ فيها، وصاروا يهدون إليها الهدايا من الفستق واللوز والسكر وماء الورد، وعمل النساء لها قلائد وأساور وحليا من الذهب، وتزاحم الناس ونساء الأمراء والكبراء على زيارتها والتبرك بها.

وسمع الأمير عبد الرحمن كتخدا بخبرها، فأرسل يستدعي الشيخ وعنزته بدعوى أنه يريد التبرك بها هو وحريمه، فركب الرجل - والعنزة في حجره - وسار في موكب حافل تتقدمه الطبول والزمور، وتحيط به البيارق والجم الغفير من الناس، إلى أن وصل إلى منزل الأمير، فاحتفى به، وأدخل العنزة إلى الحريم ليتبرك بها نساؤه، ثم أمر بذبحها وأطعم صاحبها من لحمها، ولما أراد الانصراف طلب العنزة فعرفه أنها هي التي أكل لحمها، ثم وبخه وأنبه على فعلته، وأمر أن يعاد إلى بيته في موكب حافل، ولكن شتان بين الموكبين؛ فقد وضع جلد العنزة على عمامة الشيخ، والطبول والزمور تزفه، والناس يسخرون منه إلى أن وصل إلى داره. (2-3) محاولات سلبية للإصلاح

عنف رفيق

هذه أمثلة للمقاومة العنيفة، ولكنه عنف - كما نرى - كان رفيقا غاية الرفق لم يزد على ضرب بعض المجاذيب، أو إلحاق امرأة بالمارستان، أو ذبح العنزة صاحبة الولاية والكرامات، ويدخل في هذا الباب ما فعله نابليون؛ فقد هال الرجل ما رآه من هوس هؤلاء المجاذيب، فاستفتى علماء مصر في شعبان سنة 1215ه في أمر الفقراء الذين يدورون في الأسواق، ويكشفون عوراتهم ويصرخون ويدعون الولاية ويعتقدهم العوام، وهم مع هذا لا يصلون صلاة المسلمين ولا يصومون، وسأل العلماء رأي الإسلام في جواز مسلكهم هذا أو تحريمه، فأجاب الفقهاء بأن هذا كله حرام ومخالف لديننا وشرعنا وسنتنا، فشكرهم نابليون على فتواهم، وأمر رجال الإدارة بتتبع هؤلاء الفقراء والقبض عليهم، فمن كان منهم مجنونا ربط بالمارستان، ومن كان كامل الرشد نفي من البلد إن أبى تغيير مسلكه.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٣٨