فتاوى الفقهاء
وهذه الفتوى التي أصدرها العلماء تشرح - في وضوح - موقفهم من التصوف والمتصوفة، وهي خير دليل على الخصومة التي كانت قائمة بين الفريقين، وقد اتخذت هذه الخصومة - كما أسلفنا - أشكالا أخرى، لعل أبرزها وأوضحها تلك الفتاوى أو الرسائل التي ألفها علماء هذا العصر لنقد المتصوفة وتجريحهم والحط من شأنهم، ومن أمثلة هذه الفتاوى والرسائل الفتوى التي أصدرها الشيخ علي الصعيدي في سنة 1197ه ردا على سؤال وجه إليه بصدد طريقة الذكر عند طائفة المطاوعة التي كان يتخذ فقراؤها المغنين والأعلام والطبول، ويستعملون السبح الكبيرة والملاحف والسراويل، يضعها الغلمان الذين يجلسون خلف الذاكرين فوق رءوسهم أو يمسكون بها ظهورهم ... وغير ذلك من البدع.
ومن الرسائل تلك الرسالة التي كتبها الشيخ محمد صفي الدين الحنفي في سنة 1105ه وأسماها «الصاعقة المحرقة»، وهاجم فيها التصوف وأهله هجوما عنيفا، وخاصة أولئك الفقراء الذين اتخذوا الرقص واللعب دينا وخلطوهما بالعبادة، وراحوا في حلقات الذكر يدورون مركبين أيديهم إلى وراء، وقداء رءوسهم بالتصعيد والتسفيل والتلوي على هيئة معروفة في لعبة «ركض الديك» عند النصارى.
صوت المجتمع والشعر
ومن الأصوات التي ارتفعت للتنديد بهذا النفر من مدعي الولاية صوت الشعر، وكثيرا ما كان الشعر ترجمانا لأحوال المجتمع ولأحداث السياسة، وقد عاش في مصر في القرن الثامن عشر شاعر مجيد اسمه حسن البدري الحجازي، وكان هذا الشاعر شديد الانفعال لما يحدث حوله، وفي المقطوعات الكثيرة التي نقلها عنه الجبرتي في تاريخه صور جميلة للحياتين: السياسية والاجتماعية في مصر على عهده، وهو في كثير من هذه المقطوعات يضج بالشكوى من أدعياء العلم الجهلة، ومن أدعياء التصوف المجاذيب، قال تعقيبا على حادث الشيخ علي البكري سالف الذكر:
ليتنا لم نعش إلى أن رأينا
كل ذي جنة لدى الناس قطبا
علما هم به يلوذون بل قد
تخذوه من دون ذي العرش ربا
إذ نسوا الله قائلين: فلان - عن جميع الأنام - يفرج كربا
وإذا مات يجعلوه مزارا
وله يهرعون عجما وعربا
بعضهم قبل الضريح وبعض
عتب الباب قبلوه وتربا
هكذا المشركون تفعل مع أص
نامهم تبتغي بذلك قربا
وأولو العلم والقران عليهم
صب سوط العذاب والمقت صبا
إذ رموهم بالفسق والزور والجو
ر وظلم العباد سلبا ونهبا
كل ذا من عمى البصيرة والوي
ل لشخص أعمى له الله قلبا
والحجازي من سمي حسنا ين
ظر ما خالف الشريعة صعبا
فالحذار الحذار من فعل أهل ال
جهل لو عالما يدرس كتبا
جعل العلم فخ صيد لدنيا
ه فساوى في صنعة السوء كلبا
لا، بل الكلب منه خير؛ إذ الكل
ب عديم العقاب في يوم عقبى
وللبدري الحجازي قصيدة أخرى أشد عنفا هاجم فيها مدعي الولاية بوجه عام؛ قال:
احذر أولي التسبيح والسبحة
والصوف والعكاز والشملة
والدلق والأبريق لا سيما
شيوخ إبليس أولي الشعرة
حوت أباليس بتعداد ما
حوت شعورا بل بلا عدة
والمكر فات الحصر كالبحر، بل
يعد فيه البحر كالقطرة
فصار إبليس لهم تابعا
يقول: يا للعون والنجدة
مما حويتم علموني؛ فما
لي عنكم في المكر من غنية
لكم قيادي وانقيادي وما
مثلكم في الناد والندوة
بملء أفواه ينادون: يا
أهل الوفا، يا صاحب النوبة
يا شافعي يا قطب يا رافعي
يا للرفاعي يا بني الرفعة
يا سيدي أحمد يا أوليا
ء الكون عينونا على الحملة
ذو كرة والمال يبغون، ما
لهم بغير المال من بغية
لكنهم في الفسق أرقى الورى
كما ترى من غير ما مرية
والقصيدة طويلة، نكتفي منها بهذا القدر. (2-4) محاولة إيجابية للإصلاح
في هذه الأمثلة جميعا كان الاستنكار سلبيا، ومع هذا فقد أشار الجبرتي إلى محاولة إيجابية واحدة لمحاربة البدع والقضاء عليها، كان صاحب هذه المحاولة واعظا روميا (أي تركي الأصل)، وكان يعقد مجالس وعظه في جامع المؤيد.