1
عليها الباشا، وختم عليها إبراهيم بك، وأرسلها إلى مراد بك، فختم عليها أيضا، وانجلت الفتنة ورجع المشايخ، وحول كل منهم وأمامه وخلفه جملة من العامة وهم ينادون ...» (2) الظاهرة الثانية: محاربة البدع والخرافات
أما الظاهرة الثانية فتمثلها الأصوات التي ارتفعت في مصر في القرن الثامن عشر لإلغاء البدع التي أشاعها المتصوفة والمتدروشون، والحقيقة أن البلاد العربية - وخاصة مصر - كانت قد انقلبت في العصر العثماني إلى خانقاه أو تكية كبرى، وانتشرت فيها الطرق الصوفية من كل نوع ولون، والغريب أن مصر لم ينشأ من بنيها شيخ ذو طريقة، وإنما هذه الطرق بعضها ظهر في الشرق، وبعضها ظهر في الغرب، ثم وفدت هذه وتلك إلى مصر، ووجدت في ربوعها وبين أهليها صدرا رحبا، فنمت وترعرعت، وتفرعت إلى طرق فرعية كثيرة، ونتيجة للجهل الفاشي وللفقر المدقع؛ تعلق المصريون من مختلف الطبقات - وخاصة رجال الفلاحة وأصحاب الحرف - بهذه الطرق الصوفية؛ يلتمسون في رحاب الروح وفي نعيم الآخرة الموعود عوضا عن الفقر المادي الذي يعيشون في كنفه، وعن الظلم والعسف والقهر الذي ينزله بهم حكامهم، وقد تطور الحال حتى أصبح كل مجذوب شيخا، وكل معتوه وليا من أولياء الله الصالحين! وفي تاريخ الجبرتي أمثلة كثيرة لهؤلاء.
وقد قامت من قبل خصومة بين الفقهاء والمتصوفة، وظلت هذه الخصومة قائمة في العصر العثماني.
فالفقهاء كانوا يرون أن طريق المعرفة هو الشرع ودراسة القرآن والسنة وعلوم الدين المختلفة؛ من تفسير وحديث وفقه وأصول، أما المتصوفة فكانوا يرون أن طريق المعرفة هو الذوق والزهد والعبادة، والفناء في حب الله سبحانه وتعالى، وقليل من الشيوخ من جمع بين الفقه والتصوف؛ مثل ابن عطاء الله السكندري في القرن الثالث عشر، وعبد الوهاب الشعراني في القرن السادس عشر (في هذا العصر العثماني).
والتصوف في حد ذاته لا خطر منه على المجتمع؛ فهو يدعو إلى رياضة النفس والروح، وإلى التقشف والعبادة، والزهد والفناء في حب الله، وبعض الطرق الصوفية - كالطريقة الشاذلية - لا تدعو إلى التكاسل والتواكل، وإنما تحض على العمل والسعي في طلب الرزق، وإنما نشأت الخطورة منه في العصر العثماني عندما ساد وانتشر حتى ادعى الولاية - كما أسلفنا - كل جاهل وكل مجنون، وعندما غالى المتصوفة في الدفاع عن أنفسهم ومكانتهم وكراماتهم، وأخذوا يكتبون الرسائل في تحذير الناس من الشك في الشيوخ وكراماتهم التي كانوا يدعونها أحياء وأمواتا، والتي كانت تفوق في بعض الأحيان معجزات الأنبياء عليهم السلام، وكل هذا يتعارض ومبادئ الإسلام الصحيحة السمحة اليسيرة، ويفسد عقائد الناس ...
لهذا لم يكن غريبا أن ترتفع الأصوات في الحين بعد الحين لمقاومة هذه البدع التي انتشرت باسم الدين وباسم التصوف، وكان هذا النقد أو هذه المقاومة تتخذ أحيانا شكلا عنيفا، وتتخذ أحيانا أخرى شكل الجدل النظري، وكان يقوم بها تارة الحكام والأجناد، كما كان يقوم بها أحيانا أخرى رجال الفكر من العلماء والفقهاء، والوعاظ والشعراء. (2-1) أمثلة: الشيخ علي البكري وصاحبته
من المجاذيب الذين فشا اعتقاد الناس فيهم: رجل اسمه علي البكري، ترجم له الجبرتي في وفيات سنة 1207ه/1792-1793م، فقال: إنه كان رجلا معتوها، يمشي في الطرقات عاري الرأس مكشوف السوءتين في أغلب الأحوال، أو يسير حافي القدمين وقد لبس قميصا وطاقية، ويخلط في كلامه ويهذي، فيتبعه الأطفال وعامة الناس وهم بين منكر لأحواله ومصدق لولايته، ولكن أكثر الناس قد مالوا إليه، وصحت عندهم ولايته «كما هي عادة أهل مصر في أمثاله» كما يقول الجبرتي.
وكان لعلي البكري أخ صاحب دهاء ومكر، فعمل على استغلال عقيدة الناس في أخيه سعيا وراء الثروة، فمنعه من التجوال في الشوارع، وحجزه في منزله وألبسه ثيابا، وأظهر للناس أنه أذن له بذلك، وأنه تولى القطبانية، وصدق الناس دعاواه واشتد إيمانهم به، وأقبلوا على زيارته في منزله، والسماع إلى هذيانه وخلطه وتأويل كلامه بما يوافق رغباتهم وما في نفوسهم، وانهالت عليه الخيرات والنذور، وخصه بالبر نساء الأمراء والأكابر، حتى أثرى أخوه واغتنى، يقول الجبرتي: «ونفقت سلعته وصادت شبكته، وسمن الشيخ من كثرة الأكل والدسومة والفراغ والراحة، حتى صار مثل البو العظيم.»