وهذه الرسائل تبين في وضوح أن شاه ولي الله لعب دورا هاما في رفع الروح المعنوية بين الروهلا وفي نفس قائدهم نجيب الدولة؛ ففي رسالة أخرى يطلب من نجيب الدولة أن لا يدع للصدمات الوقتية فرصة لإشاعة اليأس في نفسه، وينصحه أن يثابر دائما على القيام بالواجبات التي ألقيت على كاهله وإتمام ما بدأ به، ثم يسأله أن ينبئه دائما بتحركات جيوشه؛ ليتمكن من دعاء الله، وأن يطلب له من فضل الكريم النصر والفتح القريب.
وحدث أن بعض طوائف الخونة من المسلمين تخلوا عن نجيب الدولة وانضموا إلى الجات
Jats ؛ مما دفع نجيب الدولة إلى التشاؤم، فكتب إليه شاه ولي الله يقول:
إذا كانت جماعة من بين المسلمين انضمت إلى الجات فيجب أن لا يستولي عليك الوسواس، وإني أعتقد أنه ولو أن الظاهر أن العدو يفوق جيشك عددا، فإنه لن يصيبك ضرر ما.
المحاولة الرابعة: شاه ولي الله وأحمد شاه أبدالي
بذل نجيب الدولة كل ما استطاع بذله لمقاومة قوى الفوضى والاضطراب، ولكن الجو في البلاط لم يكن يوحي البتة بأي نوع من التجانس أو الثقة، والأمراء كانوا جد حريصين على تضحية مصالح الدولة على مذبح أطماعهم الشخصية، وفي نفس الوقت كان ضغط المراتا يزداد تباعا على الأجزاء الشمالية، واستطاعوا - بعد تحالفهم مع الجات - أن يهزموا نجيب الدولة، وأن يستولوا على إقليم البنجاب.
عند ذلك بدأ شاه ولي الله يدرس الموقف من جديد، وقرر أن يدعو أحمد شاه أبدالي حاكم الأفغان ليأتي بجيوشه؛ لإنقاذ الهند المسلمة.
أرسل ولي الله خطابا مطولا في أربعة عشر صفحة إلى أحمد شاه أطلعه فيه على تطورات الموقف السياسي في الهند، ورجاه أن يسرع لإنقاذ المسلمين من خطر سيطرة الماراتا، وهذا الخطاب يعتبر بحق وثيقة من أهم الوثائق التاريخية لدراسة الحالة في الهند في القرن الثامن عشر.
في القسم الأول من هذا الخطاب يقدم شاه ولي الله وصفا تفصيليا للانقلاب السياسي الذي أصاب الأجزاء الشمالية، ثم يحلل العوامل التي ساعدت على قيام القوى المعارضة، وهي قوى: الماراتا والسيخ والجات.
ومما يثير إعجاب دارس التاريخ في هذا الخطاب إدراك شاه ولي الله الفائق للدوافع وردود الأفعال للقوى السياسية التي كانت تعمل في الهند في القرن 18.
كما أنه لا ينسى - عند مناقشته للأحداث السياسية الهامة - أن يشير إلى أثر العوامل الجغرافية في كل مرحلة من مراحل التطور.
وفي نفس الخطاب يعطي شاه ولي الله تقديراته لمدى قوة جيوش المارتا والجات.
وبعد كل هذه التفصيلات عن الجات والماراتا أطلع شاه ولي الله أحمد شاه أبدالي على الأزمة الاقتصادية التي تعانيها الإمبراطورية المغولية؛ يقول: «هناك مائة ألف روح في خدمة الإمبراطور، بعضهم يمنح المرتبات، والبعض الآخر جاجاردارية (أي مقطعين)، ونتيجة الأحوال المضطربة لا يستطيع هؤلاء الجاجاردارية السيطرة على إقطاعاتهم (
jagirs )؛ ولهذا فهم يعانون كثيرا من المشاق.
أما أصحاب المرتبات فإنهم لا يتقاضونها؛ لأن الخزانة خاوية.»
وبعد أن عرض على أحمد شاه أبدالي أحوال الهند السياسية والاقتصادية والأوضاع المؤلمة البائسة التي يعانيها المسلمون، يتقدم إليه بالرجاء قائلا: «ولا جرم أنه أصبح من فروض العين على حضرتكم أن تسرعوا بقصد هندستان؛ لتقضوا على تسلط الكفار هناك.» (4-10) تحذير ولي الله لأحمد أبدالي أن لا يكرر ما فعله نادر شاه عند غزوه الهند
وهناك شيء آخر لم ينس شاه ولي الله أن يشير إلى أهميته وهو يتحدث إلى هذا القائد الأجنبي، لقد رأى بعينيه المصائب التي حلت بالشعب إبان غارة نادر شاه على الهند، وإليه يرجع الفضل في إقناع الناس بعدم الإقدام على إحراق أنفسهم، ولقد أدرك شاه ولي الله أيضا أن النتائج السياسية لغزوة نادر شاه لم تأت بفائدة للمسلمين أو للإمبراطورية المغولية؛ ولهذا فقد حذر أحمد شاه أبدالي أن يكرر ما فعل نادر شاه، فيقول في خطابه له: «وأستعيذ بالله أن يتكرر ما حدث أثناء غزوة نادر شاه.