ويختم شاه ولي الله هذا الخطاب بقوله: إن الإمبراطور لو اتبع هذه الأقوال والنصائح «فإن نصيبه يكون بقاء السلطنة وتأييد الغيب ونصرة الله.»
المحاولة الثانية: الاستعانة بنظام الملك
ولكن مع هذا فإن العجز والضعف كانا قد بلغا من حكام المغول مداهما؛ ولهذا لم تصادف دعوة شاه ولي الله إلا آذانا صماء؛ فقد كان هؤلاء الحكام أضعف من أن يستطيعوا إيقاف عوامل الفوضى والفساد، أو القضاء عليها.
فقد شاه ولي الله الأمل في الإمبراطور المغولي، واعتقد أنه إذا كان للسلام والهدوء أن يعودا إلى الدولة، وإذا كان من الممكن القضاء على عوامل الفساد، وإذا كان من الممكن إنقاذ المجتمع الهندي من الانحلال الروحي والانحطاط الخلقي، فإنه يجب عليه أن يبحث عن قوى أخرى فعالة تستطيع أن تقوم بهذا الواجب.
وإلى هذا فإن أهداف شاه ولي الله الأساسية لم تكن ترمي إلى إنقاذ الإمبراطورية المغولية والمحافظة عليها، بل إنه كان يهدف إلى إنقاذ التجانس الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي اللذين كانا موجودين في الأيام الطيبة السالفة، وتحقيقا لهذه الأهداف؛ أرسل شاه ولي الله بعض رسائل أخرى إلى نظام الملك.
وفي واحدة منها يتقدم إليه بالرجاء أن يبذل أقصى ما يستطيع من جهد؛ للقضاء على ارتفاع أسعار الغلة (القمح)، وعلى أسباب الخراب والفوضى التي شاعت في أطراف العالم الهندي؛ فإنه إن فعل يكون قد قام بعمل جليل هام.
وفي رسالة أخرى يحرض شاه ولي الله نظام الملك أن يستخدم نفوذه في وضع حد لعناصر الفوضى والاضطراب، وهو في هذه الرسالة يضع كل ثقته في نظام الملك، ويفضي إليه في صراحة تامة بما لا يستطيع أن يفضي به إلى غيره، فهو يقول له: «إن الأشياء التي ألقي بها إلى خاصتي بطريق غير مباشر أتحدث إليك عنها الآن بصراحة؛ حتى لا يكون لك عذر فيما بعد.»
ولكن نظام الملك كان قد وجه نشاطه عن الشمال إلى الجنوب، وعزف كذلك عن العناية بأمور العاصمة؛ حيث كانت المنافسات بين الأمراء قد ملأت الجو بالغش والخديعة والاحتيال.
المحاولة الثالثة: الاستعانة بنجيب الدولة وقوى الروهلا
وللمرة الثانية لم ييئس شاه ولي الله، بل ولى وجهه شطر فرق الروهلا
Rohillas ، وهي فرق في الجيش وفيرة العدد، ولها هيبة كبيرة ترجع إلى تنظيماتها العسكرية وإلى خصائصها الجنسية الحربية.
ولم تكن الشرور التي أفسدت الأداة الحكومية والعسكرية المغولية قد أصابت الروهلا، ويضاف إلى هذا أنهم كانوا يتمتعون بمكانة حربية عظمى، كما أنهم سايروا الثورة التي غيرت كثيرا من وسائل الحرب في الهند؛ يقول عنهم
Sarkar : «إن حماسهم المنظم للقتال، والعمل النشيط القائم على ذكاء الجنود الفردي لم يكن له مثيل في الهند في ذلك الوقت.»
لهذا حاول شاه ولي الله أن يتصل بنجيب الدولة قائد الروهلا؛ عساه يستطيع أن يقوم بما لم يستطع الإمبراطور المغولي ونظام الملك عمله.
وفي إحدى رسائله إليه يقول:
إني أعلم أن تجديد الملة والأمة يعتمد عليك.
وكانت خطته تتلخص في أن يستخدم الروهلا؛ ليكونوا كالدرع الواقية ضد هجوم القوى المسببة للقلاقل.
كان نجيب الدولة قائدا ممتازا، وكان شاه ولي الله يعزه ويقدره؛ لما يتسم به من صفات طيبة، فقد كان يمتاز ببصيرة مستشفة لحقائق السياسة، وبمهارة دبلوماسية فائقة، وإرادة حازمة صارمة؛ ولهذا كان يؤثره عالمنا المتصوف ولي الله بالتشجيع والتوجيه، ويضفي عليه الكثير من بركاته وإلهامه.
وهناك بين مجموعة الرسائل المشار إليها ثماني رسائل تلقي أضواء جديدة على العلاقات بين شاه ولي الله وسردار - أو قائد - الروهلا (نجيب الدولة).
يقول ولي الله في إحدى هذه الرسائل:
يوجد في الهند ثلاث فرق موصوفة بالشدة والصلابة، وإذا لم تستأصل هذه الفرق الثلاث فلن يشعر الإمبراطور أو الأمراء أو الرعية بالاطمئنان.