لقد شتت شمل المسلمين وحطمهم، وفي نفس الوقت ترك المراتا والجات سالمين غانمين يفعلون ما يشاءون، وبعد هذا زادت دولة الكفار قوة، بينما تفرقت جيوش الإسلام، وأصبحت سلطنة دلهي بمنزلة لعب الصبيان.» (4-11) احتياطات ولي الله لحماية سكان دلهي
لقد تأثر شاه ولي الله بالآلام التي كان يعانيها سكان دلهي تأثرا بالغا، فاتخذ جميع الاحتياطات لإنقاذ دلهي من أي فوضى قد تأتي نتيجة لازمة لأي نضال مسلح، فكتب إلى نجيب الدولة يقول:
عندما تعبر أفواج الجيوش الشاهانية إلى دلهي يجب أن تبذل الاهتمام الكلي؛ لتحمي أهل المدينة من أي ظلم يحيق بهم.
لقد خضعوا أكثر من مرة لنهب أموالهم وهتك ناموسهم، إن آهات المظلومين لا تضيع هباء، فإذا كنت تريد أن ييسر لك النجاح في أداء هذا الواجب، فاحذر أن يصاب أحد من المسلمين أو أهل الذمة في دلهي بأذى. (4-12) إعداد الرأي العام للغزو المرتقب
ولكي يعد الرأي العام لهذا النضال الأعظم؛ أرسل شاه ولي الله الرسل لتلاميذه ومريديه وأقربائه، ينبئهم بغزوة أحمد شاه أبدالي المتوقعة، فكتب - على سبيل المثال - إلى الشيخ محمد عاشق الفولاتي
of
Phulat
يقول له: «وصل إلى علم الفقير أن أبدالي سيأتي ثانية لإزالة الكفار وإبادة دولتهم.»
ولقد وجدت دعوة شاه ولي الله أذنا صاغية، وسرعان ما استجاب لها أحمد شاه، وخرج بجيوشه متجها إلى الهند، وانتصر في موقعة بانيبات
Panipat .
وجميع دارسي التاريخ يعلمون أن هذه الموقعة الحاسمة غيرت تاريخ الهند سياسيا تغييرا أساسيا في القرن الثامن عشر، ولكن القلة هم الذين يعرفون أن هذه المعركة التاريخية أتت نتيجة لإيعاز شاه ولي الله دهلوي.
لقد كان معلم المدرسة الرحيمية يحس إحساسا قويا بحاجات العصر السياسية، فلقد كتب هو نفسه قبل معركة بانيبات بسنوات يقول:
فلو فرض أن يكون هذا الرجل في زمان، واقتضت الأسباب أن يكون إصلاح الناس بإقامة الحروب، ونفث في قلبه إصلاحهم؛ لقام هذا الرجل بأمر الحرب أتم قيام، وكان إماما في الحرب لا يقاس. (4-13) الرأي في شاه ولي الله وحركته الإصلاحية
وبعد، فإن كل المؤرخين الذين ترجموا لشاه ولي الله ركزوا جهودهم للحديث عن جهود الرجل في ميدان الإصلاح الفكري والديني، وتكلموا بإسهاب عن مؤلفاته، وبخاصة «حجة الله البالغة»، ولكن أحدا منهم لم يفطن إلى الدور الهام الذي لعبه الرجل في ميدان الإصلاح السياسي، ومحاولاته المتكررة لإنقاذ الهند من براثن الفوضى التي كانت تريم عليها، تلك المحاولات التي انتهت باستعانته واستغاثته بملك مسلم مجاور، هو أحمد شاه أبدالي، بعد أن جرب كل الوسائل الممكنة لإتمام هذا الإصلاح على أيدي القوى الداخلية، فشاه ولي الله لم يكن - كمعظم مفكري الإسلام السياسيين - يفرق بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، بل كان يرى أنهما كالجناحين لطائر واحد، ولا يستطيع الطائر أن يقوى وأن يحلق في السماء إلا إذا قوي الجناحان جميعا.
ولم تمت حركة شاه ولي الله الإصلاحية التجديدية بموته، بل كانت كبذرة طيبة ألقيت في أرض طيبة؛ فقد رعى حركته الإصلاحية من بعده أولاده وأحفاده وتلاميذه، وكانوا رواد الحركات الإصلاحية التجديدية في الهند الإسلامية في القرن التاسع عشر، ولا بد لإيفاء الحديث عن جهودهم الإصلاحية من فصل آخر مستقل.
| المركز الثاني: بلاد العرب
محمد بن عبد الوهاب (1115-1206ه/1703-1791م)
كانت بلاد العرب المركز الثاني من مراكز الحركات الثقافية أو الحركات الإصلاحية التي ظهرت في الشرق الإسلامي في هذه الحقبة من الزمن.
وفي هذه البلاد قام محمد بن عبد الوهاب بحركته الإصلاحية، وفي الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة في اليمن دعا الإمام الشوكاني - في نفس الوقت تقريبا - دعوة إصلاحية مشابهة.