تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عيون الأفاعي، أو رءوس العقارب

ولكنه لم يكن بالرجل الذي يسمح لليأس أن يغشي بصره أو بصيرته، فبينما كان كل فرد غيره قد نال منه الرعب والاضطراب، استعان هو بذهنه الواضح وبشجاعته النادرة، وراح يبحث عن أسباب هذه المتاعب جميعا، وقد استطاع كدارس ذكي نقاد للتاريخ الإنساني أن يكتشف هذه الأسباب وأن يضع أصبعه على مواطن الداء. (4-6) عقيدة شاه ولي الله أنه مجدد عصره

وكان شاه ولي الله يعتقد أن العناية الإلهية قد اختارته لإصلاح هذا النظام السياسي والاجتماعي الفاسد؛ فقد كتب مرة في «فيوض الحرمين» يقول: «رأيتني في المنام قائم الزمان، أعني بذلك أن الله إذا أراد شيئا من نظام الخير جعلني كالجارحة لإتمام مراده.»

ولعل ولي الله كان يعتبر نفسه لهذا مجدد عصره؛ تحقيقا للحديث المعروف: «إن الله يبعث في هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها.»

وهو يكرر هذه الفكرة أكثر من مرة وفي أكثر من مؤلف من مؤلفاته؛ فهو يقول في موضع آخر من نفس المرجع «فيوض الحرمين»: «وأقرب الناس إلى المجددية: المحدثون القدماء كالبخاري ومسلم وأشباههم، ولما تمت دورة الحكمة ألبسني الله تعالى خلعة المجددية، فعلمت علم الجمع بين المختلفات، وعلمت أن الرأي في الشريعة تحريف وفي القضاء مكرمة، وأشار إلي رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إشارة روحانية أن مراد الحق فيك أن يجمع شملا من شمل الأمة المرحومة بك.»

وفي كتابه «التفهيمات»، يقول بالفارسية ما ترجمته:

لقد ألهمت (أو كلفت) أن أنقل هذه الحقيقة إلى الناس: هذا الوقت وقتك، وهذا الزمان زمانك، وإنه لمسكين ذلك الذي لا ينضوي تحت لوائك.

وفي موضع آخر من نفس المرجع يقول:

ومن نعم الله علي - ولا فخر - أن جعلني ناطق هذه الدورة وحكيمها، وقائد هذه الطبقة وزعيمها.

بهذه العقيدة الراسخة في نفسه تقدم شاه ولي الله بشجاعة يعمل على إصلاح المفاسد السياسية والاجتماعية التي سادت المجتمع الهندي في القرن الثامن عشر.

ولا بد لنا لكي نفهم آراء ولي الله وجهوده الإصلاحية أن نلقي نظرة سريعة على آرائه التي حلل بها الموقف في الهند في القرن الثامن عشر. (4-7) تحليل شاه ولي الله للموقف في الهند في القرن 18

درس شاه ولي الله الموقف في الهند في ذلك الوقت دراسة تحليلية، ونظر إليه نظرة السياسي الواقعي، وبذلك استطاع أن يشخص كل الأدواء التي تصيب كيان الدولة السياسي، وهو في كتابه «حجة الله البالغة» يشير في «باب سياسة المدينة» إلى أسباب الفوضى والمحن، فيقول: «وغالب سبب خراب البلدان في هذا الزمان شيئان:

أحدهما:

تضييقهم على بيت المال بأن يعتادوا التكسب بالأخذ منه؛ على أنهم من الغزاة، أو من العلماء الذين لهم حق فيه، أو من الذين جرت عادة الملوك بصلتهم: كالزهاد والشعراء، أو بوجه من وجوه التكدي، ويكون العمدة عندهم هو التكسب دون القيام بالمصلحة، فيدخل قوم على قوم، فينغصون عليهم، ويصيرون كلا على المدينة.

والثاني:

ضرب الضرائب الثقيلة على الزراع والتجار والمتحرفة، والتشديد عليهم حتى يفضي إلى إجحاف المطاوعين واستئصالهم، وإلى تمنع أولي بأس شديد وبغيهم، وإنما تصلح المدينة بالجباية اليسيرة، وإقامة الحفظة بقدر الضرورة، فليتنبه أهل الزمان لهذه النكتة.» (4-8) مقترحات شاه ولي الله لعلاج هذه الحالة

هذه هي أسباب الخراب كما صورها ولي الله، وقد وصف السبل لعلاجها في مؤلف آخر من مؤلفاته، وهو كتاب «التفهيمات الإلهية»، فهو في هذا الكتاب يقترح وسائل محددة لإعادة السلام إلى الدولة، وللقضاء على عوامل الفساد، يقول ولي الله مقدما النصيحة للملوك: «فرضاء الملأ الأعلى أن تنصبوا في كل ناصبة وفي كل مسيرة ثلاثة أيام أو أربعة أيام أميرا عادلا؛ يأخذ للمظلوم حقه من الظالم، ويقيم الحدود، ويجتهد أن لا يحصل فيهم بغي ولا قتال، ولا ارتداد ولا كبيرة، ويفشو الإسلام، ويظهر شعائره، ويأخذ بفرائضه كل أحد.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ١٣