تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد تأثرت نفسه الحساسة الصافية بالأحوال السياسية المضطربة التي كانت تسود الهند في القرن الثامن عشر، وقد عثر أخيرا خليق أحمد نظامي على مجموعة مخطوطة تضم رسائل شاه ولي الله السياسية، كتبها مولانا الشيخ محمد عاشق الفولاتي

oh Phulat

أعز تلاميذ ولي الله وأقربهم إليه، وقد كتب نظامي مقالا في مجلة

Islamic Culture

حلل فيه بعض هذه الرسائل، وأشار إلى أهميتها القصوى في دراسة الأحداث السياسية للهند في القرن الثامن عشر، ثم نشر هذه الرسائل بعد ذلك في كتاب مستقل. (4-5) الحالة في الهند في القرن 18

كان القرن الثامن عشر في الهند تسوده الفوضى ويشيع فيه الترف؛ إذ لم يكد أورنجزيب ينتقل إلى العالم الآخر (1707م) حتى ظهرت عوامل الانقسام والتفكك واضحة، وعجز خلفاؤه البله الضعاف عن السيطرة على العناصر الجامحة في الوقت المناسب، ونتيجة لهذا سادت الدولة عوامل الفوضى والاضطراب، وأصبح التاج المغولي ألعوبة تتداولها أيدي الأطراف المتنافسة، وتتابع عدد من الملوك الصغار كالدمى على مسرح السياسة في سرعة عجيبة، لا يكاد يظهر واحد منهم حتى يختفي وشيكا، وأصبح تاج شاه جهان وأورنجزيب طيفا لمجد غابر.

ولقد أثار ضعف الحكومة المركزية أطماع الأمراء وحكام الأقاليم، وتبع ذلك سباق جنوني في سبيل الحصول على السلطة السياسية؛ كذلك أفسدت مؤامرات النبلاء ودسائس البلاط حياة الشعب.

ولقد أفادت الطوائف المنقسمة المختلفة الفائدة الكبرى من ضعف الحكومة المركزية، وخاصة طوائف المراتا

Marathas ، والسيخ

Sikhs ، والجات

Jats ، فبدأت تثور - بعد أن استعادت ثقتها بنفسها - على إمبراطورية المغول المترنحة.

أما المراتا فقد حجبوا الحكومة الشرعية تماما في جوجرات

Gujrat

وملوا

Malwa

وبندلخاند

Bundelkhand ، واستعملوا السلاح في البنغال

Bengal

وبهار

Bihar

ودواب

Daob ، بل لقد طرقوا أبواب دلهي، حتى أثارت آثامهم وشرورهم الرعب في قلوب الشعب.

كذلك عاث السيخ في البنجاب سلبا ونهبا، وعبرت عصاباتهم نهر جمنة

Jumna ، وخربت المدن الهامة، وأشاعوا الذعر والفزع في كل مكان حتى اضطر بعض الأفراد إلى تغيير أسمائهم؛ ليحموا أنفسهم من فظائع السيخ.

أما ثورات الجات فقد خلقت للحكومة المركزية مشكلة شائكة؛ فقد كانوا - بحكم قربهم الشديد من العاصمة - مصدر فزع دائم لسكان دلهي، وليس أحسن من وصف

Harcharam Das

لما فعله الجات؛ فقد قال: «كان سكان دلهي يتنقلون من بيت إلى بيت، ويتدافعون من حارة إلى حارة في يأس قاتل وحيرة مميتة، كأنهم سفينة محطمة تتقاذفها الأمواج، كل فرد كان ينطلق مذهولا بلا غاية، وكأنه قد أصيب بمس من الجنون.»

وكأن هذه الهزات الداخلية لم تكن كافية لتصيب كيان الحكومة المغولية بالشلل، فإن نادر شاه ملك الأفغان لم يلبث أن أغار على الهند في سنة 1739م، وكانت غارته هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد تلاشت نهائيا كرامة الإمبراطورية المغولية، وسلبت الهند كل ثرواتها، وجمعت الحركات المعادية للمغول قواها، وأشاعت مناظر المجاعات والتخريب غير المتوقعة عوامل الرعب واليأس في قلوب الشعب.

كانت دلهي قلب الإمبراطورية؛ ولهذا كان لزام عليها أن تتحمل نتائج الصدمة التي يحدثها كل اضطراب داخلي أو ضغط خارجي، وقد غمرت هذه المحن والبلايا سكان مدينة دلهي، بحيث أصبحوا يحسون أن الحياة ذاتها عبء ثقيل لا يحتمل، بل إن بعض المسلمين فكروا أمام هذه الظروف العصيبة أن يحرقوا أنفسهم ليتخلصوا من الحياة، وبدأ اليأس والتشاؤم ينخر في أرواحهم كما ينخر السوس العظام! •••

كانت هذه الأحداث جميعا تدور أمام ناظري شاه ولي الله، فتعصر قلبه عصرا وتلفح روحه بالنيران، ولقد عبر عن أحزانه الكامنة في قلبه بهذا البيت الرائع من الشعر:

كأن نجوما أومضت في الغياهب

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ١٢