فكيف لا يصح للعبد أن ينقطع خوفه أن أطاع أو يقل رجاؤه أن عصى وقد تقدم في أول الكتاب أن خوف العارفين ورجاءهم ناشئ عن شهود صفة الجلال والجمال وهما لا يتغيران فكذلك ما ينشأ عنهما ولذلك وصف الشيخ نفسه بهذه الحالة الشريفة وهي الاعتدال على الدوام ظهرت منه طاعة أو معصية وراجع ما تقدم وانظر عند قوله لا كبيرة إذا قابلك فضله الخ فإذا تحقق أن العبد لا مهرب له في حال عصيانه إلا وقوفه ببابه ولا سكون له في حال طاعته إلا إلى كرمه وإحسانه علم أن مدفوع إليه على كل حال وهذا معنى قوله قد دفعني العوالم إليك فمهما ملت إلى شئ دفعتني عنه أو ركنت إليه حركته على حتى تدفعني إليك فما أرحمك بي مع عظيم جهلي وهذه علامة العناية من الله لعبده فمهما رآه وقف مع شئ أو ركن إلى شئ ولو كان طاعة شوشه عليه ورحله منه وقد تقدم أن من جملة العقوبة التي يعاقب بها المريد تركه وما يريد وقال شيخ شيخنا مولاى العربي رضي الله عنه إذا رأيتم الفقير يقوم الغواث والتشويش عليه من كل جهة فاعلموا أن الله تعالى يريد أن يسكنه عنده أو كلاماً هذا معناه والحاصل أن الحق تعالى غيور لا يحب قلب عبده أن يركن إلى غيره وهذا من كرمه تعالى وإحسانه إلى عباده ولذلك قال وقد اوقفني علمي بكرمك عليك قلت لما دفعته العوالم إليه لم يجد كريماً سواه فاوقفه كرمه على بابه ولا ذبحنا به والكريم لا تتخطاه الآمال قيل معني كرم الله إحسانه لعباده وقيل الذي لا يدع حاجتهم لغيره وقيل الذي يعطي قبل السؤال قال الجنيد الكريم الذي لا يحوج إلى السؤال وقال المحاسبي الذي لا يبالي من أعطي ولا كم أعطى وقيل أن من فهم كرم الله تعالى لم يجزع من سوء قضاء لأنه يرى المصيبة نعمة مستورة عن إدراك الخلق كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه ما أصابني الله بمصيبة إلا رأيت لله فيها ثلاث نعم الأولي حيث لم تكن في ديني الثانية حيث لم تكن أعظم مما وقعت الثالثة أن الخطايا تكفر بها فإنا أشكر الله عليها اه ولهذا قالوا ليس العجب ممن يلتذ بالنعيم إنما العجب ممن يلتذ بالعذاب الأليم وذلك لا يكون إلا بخرق عادة النفس حتى تلتذ بما يتألم به الناس كما قال القائل
أريدك لا أريدك للثواب ... ولكني أريدك للعقاب
وكل مآربي قد نلت منها ... سوى ملذ وذو جدي بالعذاب
وقال آخر
إذا كانت الأقدار من مالك الملك ... فسيان عندي ما يسر وما يبكي
والحاصل أن المحبة إذا قويت غيبت المحب عن الآلام وإلا فهي ناقصة ومنشؤ المحبة شهود الكرم كما تقدم ومن وقف بباب كرم مولاه لا نجيب أمله ومناه كما أبان ذلك في لمناجاة الموفية ثلاثين بقوله إليهي كيف أخيب وأنت أملى أي محل طمعي ورجائي والكريم لا يخيب آمال الطامعين وهو أكرم الأكرمين أم كيف أهان وعليك متكلي وقد قلت في كتابك العزيز ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي كافيه ومن كنت كافيه وناصره لا يهان أبدا حكى ا، بعض الأولياء ولدت له بنية في آخر عمره وماتت أمها وحضرته الوفاة فقال له رجل أوصنى عليها أكفلها قال لا ولكن إذا أنامت فاحملها إلى حرم الله ودعها في الحجر وامض ودعها في كفاية الله فلما مات فعل الرجل ذلك وصار يرقبها على بعد فرأتها أم الخليفة هي تطوف فأمرت بحملها لها فتبنتها وربتها حتى بلغت وزوجتها لابن الوزير وأصدقتها عشرين ألف دينار فانظر حال من توكل على كفالة مولاه وآوى إلى حصن رعايته وحماه وأنشدوا
أيحسن في مأوكم ونزولكم ... أوجه يوماً للعباد رجائياً
يحق لمثلي أن يعود لمثلكم ... وأن أتركن جمع العباد ورائياً