تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال بعض الحكماء تالله ما ظفر بسعدي إلا من تاه في أرض التقديس وتنزه عن الخسيس والنفيس فأصبح جسمه وروحه العصى ونفسه فرعون فكلامه صمت وصمته كلام ولسان حاله يخاطب جميع الأنام فلو عرضت عليه الشهادة في باب الحجرة والموت داخلها على حسن الختام لترك الشهادة واختار الموت على أكمل التمام عملاً على اليقين دون الشك والله خير وأبقى يا هذا ما أطيب عيش من دعي فأجاب ما أعز قدر من لازم الباب ما أخس قدر من أبعد عن الجناب ما أبخس قيمة من له على الغفلات انكباب إذا غلب الطبع فلا تنفع الحيلة ومن سبق له القضاء لم تنفعه الوسيلة فسبحان من يعطي ويمنع ويضر وينفع جذبت العناية سلمان الفارسي من أرض فارس ونودي بلال من بلاد الحبشة وأبو طالب على باب التحقيق وقد حرم التوفيق وقع الحكم ونفذ الأمر وسبقت المشيئة وجف القلم لو أنفقت ما في الأرض جيمعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم اه وكما أن حكمه النافذ يهدم الاعتماد على الأحوال كذلك عدله القاهر يهدم الاعتماد على الأعمال كما أبان ذلك في المناجاة الرابعة عشرة حيث قال إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك بل أقانني منها فضلك قلت لا ينبغي للعبد أن ينظر إلى شيء من طاعته وأن عظمت ولا أن يستحسن شيئاً من أحواله وأن حسنت فالناقد بصير والرقيب على الضمائر خبير فكم من طاعة تعظم في عين صاحبها كأمثال الجبال لا تساوي عند الله جناح بعوضة وكم من أحوال تصفوا عند صاحبها وهي عند الله مدخولة وقد تقدم قوله لا كبيرة إذا قابلك فضله ولا صغيرة إذا واجهك عدله فمن قابله بفضله عادت كبائره صغائر ومن واجهة بعدله رجعت صغائره كبائر ولذلك قال هنا كم من طاعة بنيتها أي نميتها وكثرتها هدم اعتمادي عليها عدلك أي نظرى إلى عدلك فلما نظرت إلى عدلك تلاشت أعمالي واضمحلت أحوالي وكم من حالة شيدتها ورفعتها فلما نظرت إلى عدلك وشدة مناقشتك انهدمت وتلاشت بل أقالني منها بأن زالت نسبتها عني فضلك وهدايتك وتوفيقك فلم تبق لي طاعة ولا حال ورجع ذلك إلى الفاعل المختار الكبير المتعالي فالواجب على العبد أن ينسلخ من علمه وعمله وحاله ونفسه وروحه وحوله وقوته ويبقى فقيراً بين يدي سيده عبداً مملوكاً لا يقدر على شئ قال بعضهم والله ما غاص في بحر الفناء إلا من باع نفسه من الله أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة كيف يخوض في بحر الحقائق من لم يخلص علمه وعمله من الزيف وصيارفة الحق بالمحك المحمدي على الساحل يردون من لا يخلص يردون من لا يخلص وأين الإخلاص هذا لمن وصل إلى ساحل ذلك البحر فكيف بمن ينكره ولا يصدق به أو يسير إليه منحرفاً دون استقامة كما قيل

ليس من بات قريراً عينه ... مثل من أصبح قفرادا رسا

ليس من أكرم بالوصل كمن ... ظل يهذى بلعل وعسى

ليس من ألبس أثواب التقى ... مثل الذي ألبس ثوباً دنسا

ليس من سير به مثل الذي ... بات يرعى الحمى مبتئساً

ليس من شاهد صبحاً واضحاً ... مثل الذي شاهد ليلاً غلسا

ليس من بوئ روضات الحمى ... مثل الذي أسكن قفراً يابساً

ليس من أشبه غصناً يانعاً ... مثل من أشبه عوداً يابساً

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٩٣