ومن حصل مقام التقوى وحاز منها الغياة القصوى دام عليه السرور والفرح وذهب عنه الحزن والرتح روى أن رابعة العدوية رضي الله عنها لقيت عتبة الغلام وهو يتبختر في قميص جديد فقالت له ما هذا التيه والعجب الذي ما رأيته منك قبل اليوم فقال ومن أولى بهذا منى وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبداً وقال ذو النون رأيت شيخاً في الركب يمشي وبيده مصحف وهو يقرأ ويهتز ويرقص في مشيته فقلت يا شيخ ما هذا الرقص فقال قلت في نفسي عبد من أنا وكلام من أنا أتلو وبيت من أنا قاصد فهزتني حالة الفرح وأطربني ذلك من غير قصد مني اه توسل فيما طلب بمنة الله وكرمه فقال بمنه وكرمه أي إنما أطلب ما تقدم من منة الله وكرمه لا بسبب عمل ولا حال وكل هذا اعتماد على مولاه فيما أولاه وتولاه في مبدئه ومنتهاه وهاهنا انتهى الكتاب وما بقي إلا مناجاة الكريم الوهاب قال بعض الشراح هذه المناجاة على قسمين قسم يقضي بالتعريض والتأهب وقسم يشهد بالتحقيق والتأدب وأكثر ما يظهر فضلها للتالي في وقت الأسحار وبعد صلاة الصبح فلها هناك سر عظيم وفتح جسيم فمن لازمها في ذينك الوقتين وجد بسطاً زائداً على العادة ولها خواص وأسرار يعرفها من جربها من العباد والزهاد والطالبين لمعرفة رب العالمين وقد ذكر بعضها ابن عباد في نظم الحكم فقال
لم يبق إلا ما به المناجاة ... سياقه حقت له المراعاة
لكونه يهذب الأسرارا ... ويجلب الأضواء والأنوارا
وأنت يا خلي ويا صفيي ... أن انتهجت نهج إذا الولى
وسقته مساقة الجميلا ... منكسرا وخاضعاً ذليلا
رأيت في باطنك الزيادة ... والخير استبشرت بالسعادة
ووجه مناسبتها لما قبلها أن القلب إذا انبسط بالفرح بالحبيب انطلق اللسان لمناجاة القريب فقال في أولها إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري قلت إنما ابتدأ مناجاته بالتحقيق بالفقر لما يعقبه من سرعة الغنى وقد قلت في قصيدة تقدمت
تحقق بوصف الفقر كل لحظة ... فما أسرع الغنى إذا صحح الفقر
قال الشيخ أبو عثمان في قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعاً وخفية التضرع هو أن تقدم افتقارك وعجزك وعارك وضرورتك وقلة حولك قوتك وليس التضرع بالإجهار ولا يكون للطعات إظهار اه يقول رضي الله عنه أنا الفقير في غنى الوهمي إلا دعائي فكيف لآ أكون فقيراً في فقري الحقيقي الأصلي فغناي بموافقة الأسباب الظاهرة ليس وجوده منى ولا بقاؤه بيدي فأنا فقير في حالة وجوده فكيف لا أكون فقيراً في حالة فقده أو يقول أنا الفقير في حالة حياتي التي يظهر فيها صورة غناي بعشيرتي وأحبابي فكيف لا أكون فقيراً بعد مماتي حين يتخلف عني أحبابي وجيرتي أو يقول أنا الفقير إليك في حال غناي بك فلا غني لي عن زيادة مددك وهذا كما قال القائل
أنا الفقير إليكم والغنى بكم ... وليس لي بعدكم حرص على أحد
فكيف لا أكون فقيراً في حال فقري إليك إذا كنت فقيراً في حال نظري إلى غناي بك فكيف لا أكون فقيرا في حال نظري إلي فقري إليك ولله در القائل
إني إليك مع الأنفاس محتاج ... ولو كانن في مفرقي الأكليل والتاج