تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي إظهار الفاقات إلى الله وانزال حوائجة بساحة مولاه مع رفع الهمة عما سواه من الحظوظ والمكنة وعزازة القدر عند الله ما يكل عن وصفه اللسان ويعجز عن حمله واسع الجنان قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه ما أظهر عبد فقره إلى الله تعالى في الدعاء إلا قال له الحق لبيك لكنه لا يستطيع سمع ذلك وقد تقدم كلام الله تعالى في بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى ما رفع عبد حاجته إلى دون خلقي أعلم ذلك من نيته فتكيده السموات السبع والأرضون السبع إلا جعلت له فرجاً ومخرجاً من أمره أو كما قال وقال أبو القاسم القشيري من أشار إلى الله ثم رجع بحوائجه إلى غيره أفقره الله إلى الخلق ثم نزع له الرحمة من قلوبهم ومن شهد محل افتقاره إلى الله ورجع بحوائجه إليه أغناه الله من حيث لا يحتسب أعطاه من حيث لا يرتقب قيل لبعض المحققين أيطلب العبد الرزق قال أن علم أين هو فليطبه قال قيل أيسأل الله قال أن علم أنه نسيه فليذكره قيل أيتوكل على الله قال إن كان في شك فليختبره قيل فأي شئ يعمل قال ما أمره اه فليثق العبد بربه وليشتغل بما أمر به وليكن كما قال بهلول المجنون نعبده كما أمرنا وهو يرزقنا كما وعدنا ولا يتعلق بمخلوق أصلاً قلباً ولا قالباً وليمح الخواطر التي تخطر بباله من هذا المعنى قبل أن تستحكم فيه فيعاقب بالحرمان ويرمي بالخذلان قال إبراهيم الخواص رضي الله عنه تهت في البادية حتى ضرني الحال فسمعت نباح كلب فأصغيت إليه وأخذت نحوه فإذا بلص قد صفعني فقلت في نفسي هذا جزاء من توكل على مخلوق فقيل لي في سري يا إبراهيم ما دمت في خفارتنا أي جوارنا وعهدنا كنت عزيز فلما دخلت في خفاه كلب سلط عليك الخلق فتبت إلى الله تعالى وإذا بالذي صفعني قد سقط عن جرف وطار رأسه اه وأنشدوا

مددت يدي أرجو نوالاً ورحمة ... ومالي شفيع غير جودك والرجا

فجد لي بعفو منك وارحم تذللي ... فأنت الذي أعطيتني الفقر واللجا

ثم أن الفقر والجهل من أوصاف العبودية كما أن الغني والعلم ممن أوصاف الربوبية فلما أدلى بفقره إلى غنى مولاه أدلى بجهله إلى سعة علو مولاه فقال في المناجاة الثانية إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جاهلاً جهولاً في جهلي قلت يقول رضي الله عنه أنا الجاهل في علمي العارض الذي علمتني فكيف لا أكون جهولاً ف يجهلي جاهلاً في جهلي الأصلي الذي فيه أركزتني أو يقول أنا الجهل في حال نسبتي إلي العلم الذي علمتني فكيف لا أكون جهولاً في جهلي هو أصلي ومحلى وما نسبة علم العبودية في جانب علم الربوبية إلا كنقرة العصفور من البحر كما قال الخضر عليه السلام لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام قال تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً وقال ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وقال تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً فالعلم العارض لا يدفع الجهل الأصلي هذا باعتبار الحكمة والنظر إلى أصل البشرية وأما الروحانية فأصلها علامة دراكة لأنها نموذج رباني ولطيفة نورانية فإنما حجبها كثافة البشرية وظلمة الطبيعة كما قال في المباحث

فلم تزل كل نفوس الأحياء ... علامة دراكة للأشياء

وإنما تحجبها الأبدان ... والأنفس النزع والشيطان

فكل من أذاقهم جهاده ... أظهر للقاعد خرق العادة

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٨١