خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء
وأما السير بمعنى الترقي فهو ثابت له على الكمال فقد كان عليه السلام يترقي في الساعة الواحدة مقامات ويستغفر من المقام الذي يترقي منه حكي عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه كان يستشطل قوله عليه السلام أنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة وفي رواية مانة مرة حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا مبارك غبن أنوار لا غين أغيار ففهم حينئذ أن ذلك الغين وهو التغطية إنما هي أنوار الشهود أو هي تتفاوت بالقوة والضعف باعتبار الكشف فكلما كشف له عن مقام رأى ذلك المقام نقصاً باعتبار ما بعده ورآه حجاباً وتغطية لما فوقه وهكذا وعظمته تعالى لا نهاية لها ولذلك قال له وقل رب زدني علماً وقال أبو العباس رضي الله عنه الأنبياء عليهم السلام خلقوا من الرحمة ونبينا عليه السلام هو عين الرحمة قال تعالى ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال الشيخ الحضرمي رضي الله عنه بعد كلامه ذكره فهو صلى الله عليه وسلم مظهر الحق الأكبر وهو أكبر مظاهر الحق في الوجود فلذلك كان كل حرف من كلمة يوازي الجم الغفير وكل قطرة من فيض بحرة توازي البحر الزاخر الكبير وأعظم من ذلك بألف ألف نقير وقطمير لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون اه المراد منه فتحصل أن مقامه عليه السلام في العرفان لا يوازيه مقام وكذلك قرة عينه عليه السلام لا ينالها غيره من الأنبياء والأولياء وإنما يكون لهم من ذلك شرب ونصيب على قدر شهودهم ومعرفتهم قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه إنما قال الله تعالى سبحانه الذي أسرى بعبده ولم يقل بنبيه ولا برسوله ليفتح باب السريان لغيره فمن له قسط من العبودية له قسط من الإسراء ولما كان له عليه السلام كمال العبودية كان له كمال الأسراء فأسرى بروحه وجسده وليس ذلك لغيره اه فإذا وقع الإسراء بالروح إلى الملكوت حصلت له قرة العين في العبادة على قدر اسرائها واسراؤها على قدر تصفيتها من العلائق والعوائق والله تعالى أعلم ولما كان جوابه بأن قرة العين بالشهود على قدر معرفته بالمشهود فيه خفاء عن المقصود بينه بقوله وإنما قلنا أن قرة عينه في صلاته بشهوده جلال مشهوده لأن أشار إلى ذلك بقوله في الصلاة ولم يقل بالصلاة قلت لأن الأصل في الظرفية أن تكون على بابها فقرة عينه صلى الله عليه وسلم إنما هي بشهود ربه ومسارته ومالمته فالصلاة إنما هي محل لتلك القرة لا بها تكون القرة وأما قوله عليه السلام أرحنا بها يا بلابل فالباء سببية أي أرحنا بسببها وراحته عليه السلام أنتا هي بمناجاة ربه لا بغيرها ثم ذكر علة كونه عليه السلام لا تقر عبينه بالصلاة وإنما تقر عينه بربه فقال إذا هو صلوات الله وسلامه عليه لا تقر عينه بغير ربه فلا فرح له إلا به ولا سرور له إلا في إقباله قد رفع همته عن الكونين وخلع نعله من الدارين ولاجل ذلك قال فيه القائل
له همم لا منتهى لكبرها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البركان كان البر أندي من البحر