الخلق بشهود الحق زاد حضورهم فتراهم مستغرقين في الفكرة والنظرة ومع ذلك يحسون بدبيب النملة حتى يظن من لم يبلغ مقامهم أنهم من أهل الغفلة لكثرة ما بهم من الفطنة وهم مستغرقون في الحضرة وقد كان عليه السلام يصلي بالناس فإذا سمع بكاء الصبي خفف شفقة على أمه فأهل هذا المقام الكامل لا يحجبهم جمعهم عن فرقهم من فهو مجموعون في فرقهم مفروقون في جمعهم يشهدون الحق في حال شهوده من الخلق ولا يصدهم فناؤهم عن بقائهم فهم فانون عن أنفسهم باقون بربهم ولا بقاؤهم بصدهم عن فنائهم فظاهرهم مشغول بالحس مثلاً وباطنهم معمور بالمعنى يعطون كل ذي حق حقه فيعطون الحقيقة حقها بشهود الحق في الباطن والشريعة حقها باستعمال الجوارح في حقوقها في الظاهر ويوفون كل ذي قسط قسطه فيفون الناس قسطهم من الإحسام والحقي حقه في توحيده في توحيد بالجنان أو تقول أفدوا الحق بالأنعام وشهود الإحسام وأثنوا على الوسائط باللسان أو تقول أعطوا الربوبية حقها بشهود الإحسام منه وحده وأعطوا الخليقة حقها بشكر الواسطة إقامة لرسم العبودية والحاصلي أن هذا المقام هو كما قال الشاذلي رضي الله عنه الجمع في باطنك مشهود والفرق على لسانك موجود تنبيه قد رأينا كثيراً من الناس يترامون على هذا المقام الكامل من غير صحبة ولا جذب والاختطاف من شهود الأكوان إلى شهود المكون ولا بد من سكر ثم صحو وجذب ثم سلوك وجمع ثم فرق وفناء ثم بقاء نعم قد يكون بعض الأفراد أقوياء يجذبون إلى حضرة الحق مع مشاهدة الخلق ويسيرون بين جذب وسلوك كما تقدم في الطريقة الشاذلية وأمثالها وأما من لم يصحب العارفين الذين سلكوا هذه المقامات فلا يطمع في نيلي هذا المقام أبداً إلا الفرد النادر الذي لا حكم له والله تعالى أعلم ثم استدل على المقام الثاني وهو الجذب والفناء والثالث وهو الصحو والبقاء بقضية السيدة عائشة مع أبيها في قضية الأفك فقال وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها لما نزلت براءتها من الإفك على لسام رسول الله حروف اشكري رسول الله فقالت والله لا أشكر إلا الله قلت قضية الإفك مشهور مذكورة في سورة النور تولى شرحها أهل الظاهر إلا ا، ظاهر كلام الشيخ رضي الله عنه أن القائل لها و أبوها والذي في الصحيح أن الذي قال لها اشكري رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أمها وفي رواية فقالت لي أمي لما نزلت برائتي من السماء قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت والله أقوم إليه ولا أشكر إلا الله ويمكن الجواب بأن ذلك وقع بإشارة أبيها أو قالاه معاً أو سكوته كأنه وفاق والله تعالى أعلم ثم ذكر الجواب عن امتناعها من شكر الواسطة فقال دلها أبو بكر علا المقام الأكمل مقام البقاء المقتضى لاثبات الآثار قلت المراد بإثبات الأثر بعد الفناء عنه اثباته بالله ونفيه بالله جمعاً بين القدرة والحكمة وإنما كان هذا أكمل مما قبله لأن هذا خاز المقامين أعطى القدرة حقها في الباطن وهو الشهود والحكمة حقها في الظاهر وهي العبودية فهو سالك بنفسه دال لغيره كامل عالم معلم عارف معرف وهي غاية القصد والطلب لأنه مقام الخلاقة التامة والمنافع العامة ولا شك أن الخير من الخير الخاص والخير العام هو الذي يعطي كل ذي حق حقه ويوفى كل ذي قسط فسطه وسئل بعضهم عن قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته مع قوله تعالى اتقوا الله ما استطعتم فقال له اتق الله حق تقاته بقلبك واتق الله بجسمك ما استطعت فتكون جامعاً للشريعة والحقيقة اه ثم استدل على إثبات الأثر بالكتاب والسنة فقال وقد تعالى أن أشكر لي ولواديك فأمر أولاً بشكر من تولى نعمة الإيجاد وأمر ثانياً بشكر من ظهرت على يديه نعمة الأمداد فالواسطة ثابتة باثباته ممحوة بأحدية ذاته والآية صريحة في إثبات الواسطة أدباً والغيبة عنها عقد لأجل التوحيد ثم ذكر دليل السنة فقال وقال صلوات الله وسلامه عليه لا يشكر الله من لا يشكر الناس قلت يصح في اسم الجلالة الرفع على الفاعلية والنصب على المفعولية ومعنى الأول الله تعالى لا يشكر فعل من لم يشكر الناس ولا يحبه وعلى الثاني من لم يشكر الناس فلا يشكر الله أي فلا يسمى شاكراً الله وتقدم حديث النعمان بن بشير من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ثم بين الجواب عن امتناعها من شكر الواسطة في ذلك الوقت فقال وكانت في ذلك
إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي