تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال مالك بن دينار مررت بمقبرة فوجدت بهلول المجنون قاعداً بين القبور وهو عريان إلا ما يستر العورة فأتيت نحوه لاستفيد من طرائفه فوجدته تارة ينظر إلى لسماء فيستهل وتارة يتظهر إلى الأرض فيعتبر وتارة ينظر عن يمينه فيضحك وتارة ينطر عن شماله فيبكي فسلمت عليه فرد على السلام فسألته عما رأيت من حاله فقال يا مالك أرفع رأسي إلى السماء فأذكر قوله تعالى وفي السماء فأذكر قوله تعالى وفي المساء رزقكم وما توعدون فأستهل وانظر إلى الأرض فأذكر قوله تعالى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى فأعتبر وأنظر عن يميني فأذكر قوله تعالى وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين فأضحك وأنظر عن شمالي فأذكر قوله تعالى وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال فأبكى فقلت يا بهلول أنك لحكيم أتأذن لي أن أشتري لك قميص قطن قال افعل فسارعت للسوق وأتيته بقميص قطن فنظر إليها وقلبه يميناً وشمالاً ورمى به إلي وقال ليس مثل هذا أريد قلت وكيف تريده قال أريد قميصاً من الإخلاص محفوظاً من الدنس والانتقاض غرس قطنه بالحقائق وحرس من جميع البوائق سقاه جبريل بماء السلسبيل فأينع حسناً وأثمر قطناً فلقطته أيدي الكرام البررة التالين سورة الحمد والبقرة ثم حلجته أكف الوفاء بعز وصفاء من غير جفاء ثم نخلته الأوتار المتصلة بالأنوار وغزلته مغازل الحمد والثناء بالمحبة والاعتناء جعلت الجنة لنا سجة ثواباً وكان هو للأبسة من النار حجاباً فهل تقدر يا ملك على مثل هذا فقلت إنما يقدر عليه من خصك بوصفه وألهمك لمعاينته وكشفه ثم قلت يا بهلول صف لي لألبس هذا القميص فقال نعم إنما يلبسه من خصه الله بأنواره وكتبه في ديوان أبراره وأحياه بالسابقة وقواه بالعزيمة الصادقة فجسمه بين الخلق يسعس وقلبه في الملكوت يرعي فلا يتكلم بغير ذكر الله لفظة ولا ينظر لغير اله لحظة ثم صاح صيحة عظيمة وقام وهو يقول إليك فر الهاربون ونحوك قصد الطالبون وببابك أناخ التائبون اه اللهم أنا قد وقفنا ببابك فلا تطردنا ونحن انتسبنا لجنابك فلا تحرمنا يا أرحم الراحمين ثم من فرح بالباقي وأعرض عن الفاني تشرق عليه الأنوار وتلوح له الأسرار كما أبان ذلك بقوله قد أشرق نوره وظهرت تباشيره قلت قد أشرق نوره بحلاوة الزهد في الدنيا والإقبال على المولى لأن حب الدنيا ظلمة فإذا خرج من القلب دخله النور وهو حلاوة الزهد وراحة القناعة ويرد الرضي ونسيم التسليم وظهرت تباشيره أي مبشرات تبشره بالإقبال وروح الوصال وجنة المعارف والجمال وأنشدوا

إذا هبت علينا من حماكم ... نسيمات تذكرنا الوصالا

مبشرة بإقبال وسعد ... وعز دائم دهراً طويلاً

مبلغة شذا تلك المعاني ... مذكرة رباها والطلولا

فذلك خير وقت بالمعني ... وأحسن ما تعاطي السلسبيلا

فحين أشرق نوره وظهرت تباشيره أعرض عن الدنيا بالكلية كما أبان ذلك بقوله قصدف عن هذه الدار مغضياً وأعرض عنها مولياً قلت الصدوف هو الأعراض والتولي أي فأعرض هذا السائر إلى الله عن الدنيا بحذافيرها مغضياً بصره أي مغمضاً عيني بصيرته عن النظر إلى زهرة هذا الدار وبهجتها ممتثلاً في ذلك قول المولي لرسوله لمصطفى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً أي أصنافاً من الكفار زهرة الحياة الدنيا لتفتنهم فيه وأعرض عن هذا قلباً وقالباً مولياً ظهره عنها مقبلاً بوجهه إلى المولى قال الشطبي واعلمم أن الأعراض عن الدنيا إنما هو بالقلب ومتى كان القلب معلقاً بها لم ينفع زوالها من اليد ولا قطع أسبابها بل المطلوب زوالها من القلب سواء كانت في اليد أو لم تكن قال تعالى لمن أعطاه ملك الأرض بحذافيرها سليمان عليه السلام هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب وقال فيه أيضاً نعم العبد أنه أواب وقال تعالى لمن نزعها منه بحذافيرها سيدنا أيوب عليه السلام ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ثم قال أنا وجدناه صابراً نعم العبد أنه أواب لكن من علامة حب الآخرة ترك الدنيا وعلامة تركها أن لا يفرح بالموجود منها ولا يتأسف على ما فاته منها ولا يمكن ذلك إلا بترك الإنتصار للنفس ومخالفتها وأنشدوا

يا نفس في التقريب كل مذلة ... فتجرعى ذل الهوى بهوان

وإذا حللت بدار قوم دارهم ... فلهم عليك تعزز الأوطان

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٦٢