ثم هذا الذي تشتغل به وتسارع إليه هو أيضاً يطلبك ويسارع إليك وأن تقربت إليه شبراً تقرب إليك ذراعاً كما أبان ذلك بقوله ومن أيقن أن الله يطلبه الطلب إليه قلت اليقين هو سكون القلب وطمأنينته بحيث لم يبق فيه اضطراب ولا ريب في جميع الأمور وطلب الله لعبده من وجود منها أنه يطلبه بالقيام بحقوق العبودية ووظائف الربوبية ومنها أنه يطلبه بالتوجه إليه والفرار مما سواه ويطلبه بالعطوف في حضرته على بساط الأدب والمحبة فمن أيقن أن الله يطلبه بهذه الوجوه صدق الطلب إليه وصدق الطلب هو أفراد القلب والقالب لجهة المطلوب بحيث لم يبق له التفات لغيره فلم يثق إلا به ولا يعتمد إلا عليه كما أشار إلى ذلك بقوله ومن علم أن الأمر كله بيده انجمع بالتوكل عليه قلت قال تعالى إليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وقال قل أن المر كله لله فمن علم أن الأمور كلها بيد الله أمر الدنيا وأمر الآخرة والنفوس والقلوب لم يبق له نظر إلى سواه وانجمع بكليته عليه قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي كافيه ومن كان الله كافيه ماذا يفوته حكى عن بعض المشايخ أنه دخل برية الحجاز مع أصحابه بغير زاد فلما طالت عليهم المدة وأجهدهم الجوع انحرف الشيخ عن الطريق وهز شجرة فأسقطت رطباً جنياً فأكلوا منها إلا شاباً فقال له الشيخ لم لم تأكل قال أني نويت التوكل على الله ورفضت الأسباب جملة فكيف أجعلك عندي يمنزلة السبب حتى تكون النفس متشوقة لما علمت منك ثم لم يصحبهم تصيحاً ليقينه واتمام لعقده ومما يعين على تحقيق اليقين وصدق التوكل رفض الدنيا وأهلا وإليه أشار بقوله وأنه لا بد لناء هذا الوجود أن تنهدم دعائمه وأن تسلب كرائمه قلت قد حكم الله على هذا الوجود الظاهر أن يصير باطناً فلا بد أن تنهدم دعائمه وهي ما يستقيل به وجوده في العادة وهي هنا استعارة عن هدم وجوده وتبديله في خلق آخر قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وقال تعالى كل شيء هالك إلا وجهه على تأويل أهل الظاهر ولا بد أيضاً أن تسلب كرائمه والمراد زوال بهجته وجماله وهي زينة الدنيا التي ذكرها الله بقوله زين للناس حب الشهوات فمن تيقن بفناء هذا الوجود وزوال هذا العرض الفاني جعل الدنيا محلا للعبور يعبر نها إلى دار البقاء فيصير على شدتها ولأوائها حتى تتقضى عنه أيام الدنيا فهذا هو العاقل الذي ذكره بقوله فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه لما هو يفني قلت لأن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والأنابة إلى دار الخلود والتزود لسكني القبور والتأهب ليوم النشور كما قال عليه السلام فالعاقل هو الذي يميز بين الحق والباطل والنافع والضار والحسن والقبيح وكل ما يفنى وأن طال فهو قبيح وكل ما يبقى وأن غاب فهو مليح قال بعضهم يا عجباً للمطمئن للدنيا والراطن إليها والحريص عليها وهو يرى سرعة زالها وكثرة تقلبها ومفاجأة نوائبها وأنشدوا
أين الملوك وأبناؤ الملوك ومن ... كانوا إذا الناس قاوموا هيبة جلسوا
كأنهمن قط ما كانوا قط ما كانوا ولا خلقوا ... ومات ذكرهم بين الوري ونسوا
حطوا الملابس لما ألبسوا حللا ... من التراب على أجسادهم وكسوا