تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهؤلاء باعوا أرواحهم في طلب مولاهم ثم استقلوا ما باعوا واستحيوا مما بذلوا لقلة أعطوام في جانب ما طلبوا وفي ذلك وبصير حاكماً بسره على الوجود فلا تقله أرض ولا تظله سماء قد فتحت له ميادين الغيوب وتطهر من جميع المساوي والعيوب فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون فقوله فيصمت اللسام وهو يجري يعني أنه ينطبع الذكر في القلب انطباعاً كلياً حتى يجري الذكر على القلب ولو سكت اللسان وهذا هو المقصود من الذكر وقوله وقدر ما تجوهر الخ يحتمل أن يكون إنشاء ومعناه الأمر باستثبات القلب عند ذكر اللسان أي ويستثيب الجنان ما ذكره اللسان فيكون بقدر ما تجوهر اللسان يستثنيه ويحتمل أن يكون إخباراً ومعناه وبقدر ما يتجوهر اللسان بالذكر يدخل في القلب فيستثيبه فيكون فيه الحض على ذكر اللسان لعله يدخل الجنان والاحتمال الأول فيه الحض على الحضور عند ذكر اللسان وهو أولى لأن ذكر اللسان إذا لم تصحبه مجاهدة لا يفضي إلى القلب لو كثر وقوله ثم جري معناه في الفؤاد يعني انه ينصبغ القلب بمعنى الذكر حتى لا ينفك عنه وهي الطمأنينة بذكر الله وقوله فعند ما حاذى مرآة القلبي أي فعند انصباغ بالذكر وطمأنينته به يحاذى مرآة قلبه الصافية المجلوة أنوار الغيوب وهو الذي أراد بقوله لوح الغيوب وتسمى اللوائح وإنما قصره للوزن فإذا اطلعت له لوائح الغيوب ظهر ما كان مختبئاً أي خفياً من أنوار الشهود فانطوى عند ذلك وجود كل موجود وفي ذلك يقول الششترى

لقفد تجلى ما كان مخبى ... والكون كل طويت جطي

مني على دارت كؤسي من بعد موتى تراني حي

وفي بعض النسخ فعند ما حاذى أمير القلب أي وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي فعند جرى الذكر في الفؤاد حاذى القلب هو سطلان الجسد لوائح الغيوب وفي بعض النسخ بلفظ ما المصدرية بعد عند والعالم في الكرة يقول سلطان العشاقي ابن الفارض رضي الله عنه

لو أن روحي في يدي ووهبتها ... لمبشري بقدومكم لم أنصف

مالي سوى روحي وباذل روحه في حب من يهواه ليس بمسرف

فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ... يا خيبة المسعى إذا لم تسعف

قال الشيخ أبو عبد الله القرشي رضي الله عنه حقيقة المحبة أن تهب كلك لم أحببته حتى لا يبقى لك منهن شيء وقال أبو يعقوب السوسي حقيقة المحبة أن ينسى حظه من الله وينسى حوائجه إليه وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه المحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه ولا مشيئة له مع مشيئته وقيل أول ما يقول الله للعبد اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك فأن قال لا ما أريد إلا أنت قال له من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ ورفع الحدوث واثبات القدم وذلك يوجب له العدم وفي معنى ذلك قيل

من لم يكن بك فانياً عن حظه ... وعن الغنا والأنس بالأحباب

فلأنه بين المناظل واقف ... لمنال حظ أو لحسن مآب

وبالجملة فأمر المحبة كبير وبحرها خطير وفي ذلك قالوا ما خاضوا بحر الرباح حتى خاضوا بحر الخسارة لا تنال إلا بذبح النفوس وترك الفلوس

أن ترد وصلنا فموتك شرط ... لا ينال الوصال من فيه فضله

فما تحقق سير السائرين ورحيلهم إلى المحبوب إلا بمحاربة النفوس ومجاهدتها وقتلها كما أبان ذلك بقوله لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين قلت الميادين جمع ميدان بكسر الميم وبفتحها وبه صدر في القاموس وهو مجال الخيل ثم استعير هنا لمحاربة النفوس ومجاهدتها فهي تارة تكر عليه فتظفر به وتارة يكر عليها فيظفر بها وفي هذا المعنى قال شيخ شوخنا المجذوب رضي الله عنه

سايس من النفس جهدك ... وصبح ومس عليها

لعلها تدخل بيدك ... فتعود تصطاد بها

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٤٢